English
Flash movie.
 
 
رجال الأعمال ومنافع الحج

الحج فريضة كبرى وشعيرة عظمى جعل الله تعالى فيها من المنافع الدينية والدنيوية مالايحصى عده، حتى أنه حينما تحدث القرآن الكريم عن الحكمة من وراء تلك الفريضة الجامعة ذكر إقامة الشعائر والذكر جنبا إلى جنب مع ذكر المنافع، فقال تعالى : "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير" (الحج 27-28).

د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ 26 - 12 - 2006
الحج فريضة كبرى وشعيرة عظمى جعل الله تعالى فيها من المنافع الدينية والدنيوية مالايحصى عده، حتى أنه حينما تحدث القرآن الكريم عن الحكمة من وراء تلك الفريضة الجامعة ذكر إقامة الشعائر والذكر جنبا إلى جنب مع ذكر المنافع، فقال تعالى : "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير" (الحج 27-28).
وقد جاءت كلمة "منافع" في الآية الكريمة نكرة لتفيد عموم المنافع في كل العصور دون قصرها على منفعة دون أخرى، وهي بذلك تفتح السبيل أمام حجاج بيت الله الحرام للاستفادة من تلك المنافع، ومنهم بالطبع رجال الأعمال، فلاحرج عليهم ولاجناح أن يكون الحج موسما يجمعون فيه بين منافعهم الدينية والدنيوية. يقول تعالي : "لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ" (البقرة/198).
وقد ذكر ابن كثير وغيره من المفسرين في هذه الآية مايرفع هذا الحرج، فقد كان بعض المسلمين في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحرجون من ممارسة التجارة والبيع والشراء في وقت الحج فنزلت تلك الآية الكريمة فارتاحت نفوسهم واطمئنت قلوبهم لذلك التيسير الرباني، فباعوا واشتروا وتاجروا وحمدوا ربهم على رحمته وفضله بهم.
ويتساءل المرء عن طبيعة المنافع الدنيوية التي يمكن لرجال الأعمال أن يستفيدوا منها في موسم الحج.. أهي مقصورة على المنافع التجارية وماتتضمنه من بيع وشراء واستهلاك لسلع ومنتجات أنتجت بأيدي غير إسلامية ويستقر بها المقام في البيوت الإسلامية، ويقتصر دور رجال الأعمال فيها على تداولها وتسويقها وبيعها والرضا بفتات أرباحها تاركين الجزء الأكبر من هذا الربح لمنتجها الذي لم يقتصر انتاجه على مايلبسه المسلمون فقط بل إلى امتد الأمر الى أدواتهم التعبدية من سجاد يصلون عليه ومسابح يسبحون بها..الخ، .. وياللعجب.. فهذه السلع تصنع في بلاد غير إسلامية كالصين وغيرها، وكأنه ليس في بلاد المسلمين من رجال الأعمال من هو قادر على توفير البديل!!.
لقد كان دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم- في الكعبة بين الركن اليماني وركن الحجر " رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً" (البقرة/201).. فلماذا اقتصر رجال الأعمال وغيرهم من المسلمين الدنيا الحسنة على المرأة الصالحة دون أن يمتد ذلك الفهم إلى إقامة الدنيا الحسنة بالزراعة الحسنة والصناعة الحسنة والتجارة الحسنة والاقتصاد الحسن؟!.
وإذا كانت أركان الإسلام لاتكتمل إلا بأداء فريضة الحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن الإسلام لايكتمل تطبيقه إلا باستغناء المسلمين بأنفسهم عن غيرهم، وإقامة الشعائر والمتاجر والمصانع لبناء الدين والحياة وتنمية الروح والجسد.. ولن يكون ذلك إلا باقتصاد عماده رجال أعمال أقوياء أمناء يحملون على عاتقهم تحقيق الربحية الخاصة جنبا إلى جنب مع الربحية العامة بتحملهم المسئولية الاحتماعية تجاه أوطانهم .. فهل يكون الحج فرصة أمام رجال الأعمال لتحقيق تلك الأمانة الكبرى، والخروج بالأمة من نفق التبعية إلى رحاب الاستقلال والوحدة الإسلامية الشاملة في زمن عجز فيه المسلمون عن استغلال مواردهم واعتمدوا على غيرهم في تلبية احتياجاتهم!!.
لقد أتى نبى الله إبراهيم بزوجه هاجر وابنهما اسماعيل –عليهم السلام- تلك البقاع المقدسة في مكة المكرمة يوم أن كانت غير ذي زرع، فإذا بسواعد هذه الأسرة المسلمة تحول تلك البقاع من التصحر إلى العمران.. فهلا شمر رجال الأعمال عن سواعدهم وانتقلوا بأمتنا نحو الإعمار والبناء والاعتماد على الذات!!.
إن الحج فرصة عظيمة كل عام أمام رجال الأعمال للنهوض بالأمة والاستفادة من خيراتها، وذلك باستغلال منافع الحج لتحقيق ذلك، فهذه المنافع ليست جامدة بل هي متطورة ومتجددة بتجدد الزمان ذاته، ولعل من هذه المنافع لرجال الأعمال مايلي:
1- التعرف على السلع التى يستهلكها الحجاج ومابها من مزايا وماتحمله من مواصفات وأسعار، والعمل لاحقا على إنتاجها وتسويقها.
2- عقد صفقات البيع والشراء من خلال المراجحة بتبادل البضائع بين الأسواق، وكسب فروق الأسعار.
3- التعارف مع الأجناس الأخرى من عرب وعجم، والتحاور معهم ومعرفة طبيعة أسواقهم وأهم منتجاتهم ومميزاتها وأسعارها، إضافة إلى معرفة السلع التي تستهلك لديهم بكميات كبيرة، ومن خلال ذلك يمكن التوجه نحو تصدير ماتحتاجه تلك الدول واستيراد ماتحتاجه السوق المحلية من منتجاتهم مع مراعاة عاملي السعر والجودة.
4- الحج فرصة لدراسة المشاكل الاقتصادية الخاصة بالبلدان الإسلامية عامة ومشاكل رجال الأعمال خاصة، ووضع الحلول اللازمة لها، من خلال مفهوم الوحدة الإسلامية الشاملة، فقد كان الحج في عهد النبوة والخلافة الراشدة منتدى للخبراء والعلماء في كافة علوم المعرفة يتبادلون فيه الرأي والفكر والخبرات فتنمو الأمة وتعرف طريقها للابتكار والخلاص، وهنا تبدو أهمية الدور المؤسسي من خلال إنشاء غرفة تجارية إسلامية ولتكن تابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي تعد لمؤتمر سنوى لرجال الأعمال يعقد بعد الانتهاء من مناسك الحج، ويجتمع فيه رجال الأعمال المسلمين من كل حدب وصوب وفق ترتيبات مسبقة، وجدول أعمال مرتب وفق أوليات الأمة الإسلامية، حاملين معهم دراسات علمية وتوصيات عملية، بما يحقق التكامل في المنتجات والوفاء بالإحتياجيات، مع متابعة تنفيذ تلك التوصيات من الناحية العملية، حتى لاتكون حبرا على ورق، وماذلك على الله بعزيز إذا صدقت النوايا وخلصت النفوس.. وفي هذا الإطار يمكن أيضا - من خلال تلك الغرفة التجارية الإسلامية المقترحة- إقامة معارض بمكة والمدينة تعرض فيها منتجات الدول الإسلامية بما يفي باحتياجات الحجاج، وبذلك تتداول أموال المسلمين داخل ديارهم، ويتوفر لرجال الأعمال المسلمين سوق رائجة لمنتجاتهم.
وختاما فإن رجال الأعمال مطالبون بألا تطغى منافعهم الدنيوية في الحج على منافعهم الأخروية، فالحج نعمة كبرى لرجال الأعمال، به تنفسح صدورهم، ويملأ الإيمان قلوبهم ويعودون من تلك الرحلة الربانية وقد سمت نفوسهم وغفرت ذنوبهم، فينتهون عن المعاصى والكبائر وفي مقدمتها الربا وأكل المال الباطل مقتدين بوصية النبي –صلى الله عليه وسلم- الجامعة في حجة الوداع ( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام- إلى أن تلقوا ربكم- كحرمة يومكم هذا، وحرمة شهركم هذا وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغتُ، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربًا موضوع، ولكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا "العباس بن عبد المطلب" موضوع كله) ..عازمين على أن يكونوا أكثر دافعية في إنجاز أعمالهم والاستفادة من وقتهم في الطاعة والعبادة، ومن العبادة في تحقيق العمران وتوفير الاحتياجات اللازمة لمعيشة المسلمين، مقتدين في ذلك بخطوات الرسول الكريم على أودية مكة وجبالها وهو يعمل بيده ويعتمد على ذاته في كفالة نفسه وأهله.


الكاتب : admin
التاريخ : 18/08/2008
عدد مرات الاطلاع : 293

رجوع
   
Powered By Datacircle الدكــتور أشرف دوابـه © جميع الحقوق محفوظة