English
Flash movie.
 
 
شركات توظيف الأموال مرة أخرى

شهدت مصر والمملكة العربية السعودية في الآونة الأخيرة ظهور العديد من شركات توظيف الأموال التي انتهت باستيلاء أصحابها على أموال المودعين والهروب خارج البلاد أو دخول السجون داخل البلاد .. وقد كان هذا الأمر مدعاة للعديد من التساؤلات عن تجربة شركات توظيف الأموال .. وهل هي في حقيقتها وسيلة للنصب والاحتيال على المودعين واستغلال عواطفهم الدينية؟! أم أنها وسيلة ناجحة للاستثمار دفعت إلى ما وصلت إليه دفعا بيد غيرها لا بيدها؟! .. وهل الشركات التى ظهرت في مصر في الآونة الأخيرة هى امتداد لتجربة شركات توظيف الأموال في مصر التى ظهرت في الثمانينات؟!.

د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ 17 - 2 - 2007
شهدت مصر والمملكة العربية السعودية في الآونة الأخيرة ظهور العديد من شركات توظيف الأموال التي انتهت باستيلاء أصحابها على أموال المودعين والهروب خارج البلاد أو دخول السجون داخل البلاد .. وقد كان هذا الأمر مدعاة للعديد من التساؤلات عن تجربة شركات توظيف الأموال .. وهل هي في حقيقتها وسيلة للنصب والاحتيال على المودعين واستغلال عواطفهم الدينية؟! أم أنها وسيلة ناجحة للاستثمار دفعت إلى ما وصلت إليه دفعا بيد غيرها لا بيدها؟! .. وهل الشركات التى ظهرت في مصر في الآونة الأخيرة هى امتداد لتجربة شركات توظيف الأموال في مصر التى ظهرت في الثمانينات؟!.
إن الإجابة على تلك التساؤلات تتطلب الوقوف على تجربة تلك الشركات وما آلت إليه .. فقد عرفت مصر شركات توظيف الأموال في بداية الثمانينات من القرن الماضي، حتى وصل عددها إلى نحو 400 شركة ما بين صغيرة وكبيرة، وتلقت من الأموال نحو 20% من ودائع الجهاز المصرفي .. وتشير التقديرات إلى أن عدد المودعين في شركات توظيف الأموال المصرية وصل في العام 1987 إلى نحو مليون مودع بإجمالي إيداعات فاقت الأربعة مليار جنيه.
وقد تمكنت تلك الشركات من جذب أكبر عدد من المدخرين للعديد من الأسباب يأتي في مقدمتها فتح باب توظيف الأموال أمام كبار المدخرين وصغارهم حيث تعاملت بالأقساط الصغيرة على آجال قصيرة، وانفتحت على أعداد هائلة من العملاء صغار الحجم. هذا بخلاف البنوك التي وضعت حد أدنى للودائع قد لا يتناسب مع شريحة كبيرة من جمهور المودعين. وكذلك ارتفاع نسبة العائد بتلك الشركات والذي وصل في بعض الأحيان إلى نحو 25% سنويا، في الوقت الذي كان أقصى عائد بنكي نحو 18%. وأيضا الصبغة الشرعية التي أعلنت عنها تلك الشركات في معاملتها، وبخاصة وأن جموع الناس تتحرى الحلال وتتجنب الحرام وفي مقدمة ذلك الربا بالطبع. وكذلك بعد تلك الشركات عن المعوقات الإدارية والبيروقراطية والقانونية التي اتسمت بها البنوك في التعامل مع العملاء ، وبخاصة وأن هذه الشركات كانت تتسم بسهولة وبساطة إجراءات التعامل. فضلا عن مباركة الدولة لعمل تلك الشركات حتى أن العديد من المسئولين كانوا يستثمرون أموالهم بها، بل ويعملون بها، ووصل الحال إلى أن بعض المسئولين كانوا يتوسطون لدى هذه الشركات لقبول أموال بعض المودعين. إضافة إلى الجانب الإعلامي عن نشاط هذه الشركات ومباركة العديد من علماء الإسلام لتلك الشركات، وبخاصة وأن عددا منها استطاع أن يقدم نموذجا واضحا في حسن استثمار الأموال بما يفيد الاقتصاد القومي .
وقد ظلت تجربة شركات توظيف الأموال تتجه نحو النمو وجذب الأنظار وخاصة أنها بسطت الأموال من تحت يد البنوك، وقد نجح العديد من تلك الشركات وفي مقدمة ذلك شركة الشريف ونسبيا شركتي الريان والسعد .. رغم وجود بعض السلبيات في تلك التجربة لبعض الشركات من خلال المضاربة في أسواق النقد بالخارج، والاستعانة ببعض المسئولين وهو ما سمى في حينها بكشوف البركة..
ولكن رغم كل ذلك ما كان ينبغي أن يوضع قانون يستحيل تطبيقه لإجهاضها باسم توفيق أوضاعها وهو القانون 146 لسنة 1988 .. وهو قانون لو طبق على البنوك نفسها لأعلنت إفلاسها .. وقد كان هذا ذريعة للحكومة للاستيلاء على أصول تلك الشركات .. وتم تقييمها بصورة لعب الفساد والهوى دورا كبيرا فيها مما حال بين المودعين وأموالهم وتم تنفيذ ما يسمى بالرد العيني الذي ضاعت معه أصول الشركات وأموال المودعين .. أما أصحاب هذه الشركات، فقد أودع بعضهم السجون، وفر بعضهم الآخر إلى خارج البلاد.
وقد أعلن الدكتور فاروق العقدة محافظ البنك المركزي المصري في شهر يونيه من العام الماضى أن إجمالي إيداعات المواطنين في شركات توظيف الأموال بلغت مليارا و 137 مليون جنيه وأنه تم سداد 113 مليون جنيه عام 2001 وهو ما يمثل 10 % من هذه المبالغ وسددت الحكومة 40 % اعتبارا من ابريل 2004 ، و 15 % حتى ابريل 2005 و 35 % من مايو 2006.
وعلى أية حال وبغض النظر عن الأرقام المعلنة فإن الحكومة هي التي خلقت أزمة شركات توظيف الأموال وعجزت عن علاجها علاجا موضوعيا .. وفي رأينا أن إجهاض تلك التجربة كان مقصودا فما كان بها من سلبيات كان من السهل علاجه دون قطع الرقاب وسن قانون على عجل مع أنه لم توجد شكوى من المودعين ولم يعترض أحد على رقابة الدولة الموضوعية لا التسلطية على تلك الشركات.. فعلى سبيل المثال شركة الشريف وقت تصفيتها كانت أصولها تزيد ثلاثة أضعاف عن أموال المودعين، ومع ذلك تم التصرف في تلك الأصول بثمن بخس، وبيع جزء من أصولها لمستثمر محظوظ اشتراها بأموال البنوك وفر هاربا خارج مصر وديونه البنكية حاليا تتعدى المليار جنيه..
كما أن الواضح أن إجهاض تلك الشركات تم قبل البدء في تنفيذ برنامج الخصخصة وذلك للحيلولة دون تملكهم للشركات المعروضة للخصخصة - وخاصة بعد الاندماج الذي تم الإعلان عنه بين شركتي الريان والسعد- ومن ثم فتح المجال لنوعية معينة من الأجانب والمصريين للاستيلاء على تلك الشركات المعروضة للخصخصة دون منافسة تذكر وهو ما أثبتته الأيام.
ولم تقتصر تجربة شركات توظيف الأموال على مصر بل امتدت إلى السعودية في التسعينات وساعد على ذلك توافر السيولة نتيجة لارتفاع أسعار البترول وما شهدته البورصة السعودية من تراجعات حادة، وقد عمل العديد من تلك الشركات إلى اجتذاب أكبر عدد من الراغبين في تنمية أموالهم. وتقوم هذه المنشآت باستلام مبالغ وإيداعات نقدية من المواطنين والمقيمين وتمنحهم أرباحا عالية كل ثلاثة أو أربعة أشهر وصلت في بعض الأحيان إلى 70% دون ضوابط تنظم نشاطها.
وفي العام 2002 تدخلت جهات رسمية من بينها وزارة الداخلية ومؤسسة النقد ووزارة التجارة والصناعة لإيقاف شركات توظيف الأموال التي تعمل بدون ترخيص ، وتم الحجز على أصولها ، واعتقال العديد من رؤساء هذه الشركات. ولا تزال المشكلة قائمة حيث وصل عدد المودعين الذين عجزوا عن رد أموالهم 30 ألف مودع بقيمة 7 مليار ريال في نهاية عام 2006.
كما شهدت مصر في السنوات الأخيرة عودة لتجربة شركات توظيف الأموال مرة أخرى رغم صرامة القانون في منعها، وقد ظهرت تلك الشركات بصورة مستترة وفي ظروف تختلف عن ظهور شركات توظيف الأموال في الثمانينات حيث كان هناك انفتاح اقتصادى وتدفقات لرءوس الأموال من العاملين بالخارج ومعدلات للعائد في البنوك نحو 18% أما في الوقت الحالى فقد ظهرت تلك الشركات في ظل بنوك تعانى من تنامى السيولة لديها حتى وصلت لأكثر من 597 مليار جنيه، وعجزت عن استثمار تلك السيولة، بل وتعانى من ويلات الديون المتعثرة، وأصبح ماتقدمه لمودعيها عائد بنكى هزيل في حدود 8%.
وفي الوقت نفسه يعانى الاقتصاد من ركود مزمن وبطالة أسرية وضعف للدخول وكساد يصحبه تضخم متنامى وغلاء في الأسعار يأكل عائد الودائع ويحقق عائد سلبى، وبورصة لا تعرف الاستقرار ، وهو الأمر الذي يحول بين الأفراد وبين متطلبات الحياة الكريمة. وكان من نتيجة ذلك أن توجه العديد من ذوى الدخول البسيطة والمتوسطة إلى شركات توظيف الأموال المستترة طمعا في عائد يقيهم لهيب الأسعار حيث يتراوح هذا العائد ما بين 15-20%.
وهذه الشركات للأسف الشديد لايعرف لها أصول كسابقتها التى كانت أصولها معروفة ومشاريعها معلومة واقتصرت على نشاط مستتر تركز أساسا في بعض شركات معارض السيارات وبعض أصحاب شركات الصرافة والعديد من الحالات الفردية .
إن تقييم تجربة شركات توظيف الأموال يكشف عن أنها ظلمت مرتين : مرة بيد القائمين عليها ممن لم تتوفر فيهم الأهلية لإدارة أموال الناس واستغلوا عواطفهم وحاجتهم للربح، ومرة أخرى بيد الحكومات التي تركت التجربة تنمو دون وضع ضوابط موضوعية لتنظيم عملها والرقابة عليها، وحينما استفحل الأمر تم ذبح تلك الشركات في الثمانينات وضاعت حقوق الناس في متاهات البيروقراطية والروتين والفساد الحكومي. ومع استحالة تطبيق القانون المنظم لعملها ظهرت تلك الشركات في وقتنا الحالى بصورة مستترة وفى ظروف تختلف عن ظروف تجربة الثمانينات.
والتجربة لن تنتهي مادامت توجد سيولة لدى الأفراد لا تجد من يوفر لها سبل الاستثمار .. وما دامت البنوك عاجزة عن استثمار الأموال ومنحها عائد هامشي للمودعين .. ومادامت عوامل الثقة مفقودة بين الحكومات ورعاياها .. ومادامت المشاكل الاقتصادية تتفاقم وتزداد والركود يسيطر على جنبات الاقتصاد، والغلاء يأكل الدخول أكلا جما.
كما أن القوانين تشترط وجود ركنين مهمين لتوافر أركان واقعة تلقى الأموال المجرمة الأول : أن تكون هناك دعوة موجهة من المتلقي صاحب الشركة للجمهور للمشاركة وإيداع الأموال لديه. والثاني : هو أن تلك الدعوة يجب أن توجه إلى جمهور غير محدد سلفا بمعنى أنه لو كانت هناك قرابة أو صداقة ما بين المودع والمتلقي فلن تتوافر شروط الجريمة.. وواقع الحال أن الكثير من البسطاء يمنحون أموالهم لمعارفهم للاستثمار سعيا وراء عائد يعينهم على الحياة الكريمة ومواجهة غلاء الأسعار.
إن العلاج الناجع لتجربة شركات توظيف الأموال ليس في بترها كما أراد المشرع في القانون 146 لسنة 1988 . وهذه الشركات ليست بدعا وهي منتشرة في ربوع العالم كشركات تمويل في بريطانيا وألمانيا والدانمرك ولكسمبورج والنمسا وسويسرا وجنوب أفريقيا وهولندا وأمريكا وغيرها.. وتعتبر الإمارات كدولة عربية رائدة في هذا المجال بصورة منظمة وقانونية .. ومن هنا فالأولى بنا أن نسن التشريعات التي تفتح المجال لإنشاء واحتضان تلك الشركات في بلادنا مع وضع الضوابط اللازمة لحفظ حقوق المودعين من خلال الإفصاح الوجوبي ورقابة محاسبين قانونيين فضلا عن رقابة المودعين وهيئة سوق المال على هذه الشركات.. وبذلك يمكن وضع تلك التجربة في إطارها الصحيح ولا نحاكمها ونلغيها من قواميس اقتصادنا بأخطاء بعض أفرادها التي لا تقارن إذا ما قيست بأخطاء الحكومات في معالجة أوضاع تلك الشركات.


الكاتب : admin
التاريخ : 18/08/2008
عدد مرات الاطلاع : 415

رجوع
   
Powered By Datacircle الدكــتور أشرف دوابـه © جميع الحقوق محفوظة