Flash movie.
 
 
الفساد آفة العصر

"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس" الروم/41
أصبحت قضية الفساد ظاهرة تفرض نفسها وتشغل بال الشرفاء من أبناء الأمة ، فالواقع يكشف عن توسع في دائرة حجم الفساد ، وتشابك بين حلقاته ، وترابط بين آلياته بدرجة لم يسبق لها مثيل من قبل، مما يهدد مسيرة ومستقبل الأجيال الحالية والمستقبلية. ولعل ما أفصحت عنه التقارير الدولية والمحلية عن وقائع وقضايا الفساد في مصر تعكس مدى تغلغل قيم الفساد وممارساته في كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية حتى تحول الفساد من مجرد ظاهرة عابرة إلى جزء أصيل من النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري في مصر .

د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ 17 - 3 - 2007

"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس" الروم/41
أصبحت قضية الفساد ظاهرة تفرض نفسها وتشغل بال الشرفاء من أبناء الأمة ، فالواقع يكشف عن توسع في دائرة حجم الفساد ، وتشابك بين حلقاته ، وترابط بين آلياته بدرجة لم يسبق لها مثيل من قبل، مما يهدد مسيرة ومستقبل الأجيال الحالية والمستقبلية. ولعل ما أفصحت عنه التقارير الدولية والمحلية عن وقائع وقضايا الفساد في مصر تعكس مدى تغلغل قيم الفساد وممارساته في كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية حتى تحول الفساد من مجرد ظاهرة عابرة إلى جزء أصيل من النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري في مصر .
فقد كشفت منظمة النزاهة العالمية (global integrity) في تقريرها السنوي لعام 2006 عن أوضاع الفساد في 41 دولة علي مستوي العالم، منها 14 دولة أفريقية، و10 دول من أوروبا الشرقية، وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، و6 دول آسيوية، و5 دول من أمريكا الجنوبية والوسطي، و5 دول من منطقة الشرق الأوسط، وهي مصر ولبنان والسودان واليمن وإسرائيل.. وقد وضع التقرير خمسة تقديرات قياسية لتقييم الحرية وآلية مكافحة الفساد في كل دولة وهي: جيد جداً، و جيد، ومتوسط، وضعيف، وضعيف جداً. وقد حصلت مصر في التصنيف النهائي علي تقدير ضعيف جداً، وجاء ترتيبها رقم 33 بين 41 دولة . وفي المؤشر الخاص بآليات وقوانين مكافحة الفساد والمؤسسات الوطنية القائمة عليها وإتاحة العدالة للمواطنين، احتلت مصر المرتبة 29.
كما كشف تقارير منظمة الشفافية الدولية عن تراجع ترتيب مصر في مؤشر مقاومة الفساد من رقم 63 في عام 2002 إلى رقم 70 عام 2003 ثم رقم 81 في عام 2006




وعلى الإطار المحلى تشير الدراسات إلى أن تكلفة فاتورة الفساد في مصر تبلغ 50 مليار جنيه سنويا. كما كشف تقرير حديث لملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان عن وجود 36 حالة فساد باتحاد الإذاعة والتلفزيون ، وإهدار 412 مليون جنيه داخل هذا القطاع ، بالإضافة إلى الاستيلاء على 86 مليون جنيه أخرى .وأكد التقرير أن الاتحاد عجز عن تحصيل 15 مليون جنيه تمثل قيمة الديون المستحقة له لدى الجهات الأخرى ، مشيرا إلى وجود 15حالة فساد بمبنى الاتحاد و9 حالات بمدينة الإنتاج الإعلامي ، في الوقت الذي وصلت فيه الأموال المهدرة إلى 754 مليون جنيه بسبب الفساد وغياب الرقابة . كما كشف تقرير لهيئة الرقابة الإدارية عن وجود فساد في المحليات يقدر بنحو 750 مليون جنيه ، فضلا عن التقارير المتعددة والمتوالية التي كشف عنها الجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية عن وقائع فساد ولكنها مازالت حبيسة الأدراج. حتى أنه في العام 1999 كشف تقرير لهيئة الرقابة الإدارية عن أنه توجد جريمة فساد كل سبع دقائق وست ثواني في مصر. كما كشفت العديد من التقارير على أن الفساد داخل القطاع المصرفي وحده أدَّى هروب 40 عميل فقط بنحو 46 مليار جنيه مصري إلى الخارج،
في حين يبلغ إجمالي الأموال المهربة من مصر للخارج 300 مليار جنيه.
لقد تعددت قضايا الفساد في مصر وأصبحت تمس بصورة أساسية أصحاب السلطة وليس ببعيد عنا قضية عبد الحميد حسن محافظ الجيزة الأسبق ، وقضية يحي حسن محافظ المنوفية الأسبق ، وقضية ماهر الجندي محافظ الجيزة الأسبق ، وقضية سكرتير وزير الثقافة ، وقضية رئيس مجلس إدارة الشركة القومية للأسمنت ، وقصية عبد الوهاب الحباك رئيس الشركة القابضة للصناعات الهندسية ، وقضية رئيس قطاع الأخبار باتحاد الإذاعة والتلفزيون ، وقضية رئيس مدينة الإنتاج الإعلامي وغيرهم الكثير ، وما خفي كان أعظم، وما يعلمه الكثير من الناس وتخفيه السلطات أعظم وأعظم .. ممن يتاجرون في دماء وقوت الشعب ومستلزمات بناء مسكنه ويحتمون بالسلطة! .. وقد فطن ابن خلدون إلى حقيقة التزاوج بين المال والسلطة في مقدمته حينما تعرض إلى " الجاه المفيد للمال" .. إذ يكتسب البعض من خلال المنصب والنفوذ الإداري في جهاز الدولة أوضاعا تسمح لهم بالحصول على المغانم المالية وتكوين الثروات السريعة، وتكون عادة بمثابة "ريع المنصب" .. وقد ذكر القرآن الكريم صورة واضحة للفساد في قصة قارون في قوله تعالى : "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين" القصص/77 .. ورجال أعمال السلطة في عالمنا اليوم قد يكونوا أقل مالا من قارون ولكنهم أكثر حظا وفسادا باكتساب أموالهم من خلال استغلال السلطة!.
وإذا كانت الأمم المتحدة اتخذت من يوم ٩ كانون الأول / ديسمبر يوما دوليا لمكافحة الفساد وعرفت الفساد بأنه : هو سوء استعمال السلطة العامة لتحقيق مكسب خاص .. فإنه يمكن حصر أهم مكونات الفساد في مصر فيما نراه من تهرب ضريبي وخاصة من رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة ، وكذلك سياسة تخصيص الأراضي بمبالغ زهيدة لأصحاب السطوة والنفوذ ، لتستخدم في ما بعد في المضاربات العقارية. والمحاباة والمحسوبية في التعيينات الوظيفية وخاصة لأبناء المسئولين ووضعهم دون غيرهم في الوظائف السيادية. وإعادة تدوير المعونات الأجنبية للجيوب الخاصة ، وقروض المجاملات التي تمنحها المصارف بدون ضمانات جدية لكبار رجال الإعمال أو بفوائد منخفضة . وكذلك عمولات عقود البنية التحتية. وسياسة الخصخصة وما لحق بتطبيقها من فساد في تقييم الشركات لصالح بعض المستثمرين سواء من الداخل أو الخارج . وليس ببعيد عنا صفقات بيع بعض الشركات مثل البيبسى كولا والمراجل البخارية وبنك الإسكندرية وشركة عمر أفندي وغيرها. إضافة إلى الرشاوى التي تحصل تحت بند العمولات ويتم الحصول عليها بحكم المنصب أو الاتجار بالوظيفة العامة . وكذلك الفساد السياسي المرتبط بتفصيل مواد الدستور والقوانين وفقا لمصالح رجال السلطة ، والتغني بالديمقراطية وتداول السلطة رغم غياب ذلك على أرض الواقع ، والتدخل السافر في الانتخابات البرلمانية والنقابية وتعزيز الرشاوى الانتخابية. والحيلولة دون سن التشريعات التي تضمن عدم تضارب المصالح المالية لدى النواب والوزراء وكبار الموظفين .
وهكذا نجد أن الفساد هو عملية سرقة لثروات الأمة، ويؤدى إلى إهدار سيادة القانون، وإلى انتشار الجريمة وتهديد الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني ، وانخفاض ثقة الناس في الحكومة ،وسيادة الشعور بالاغتراب لدي المواطن العادي وبأن القانون لا يطبق سوى على الفقراء ومن ثم انهيار منظومة القيم الأخلاقية .. فالفساد يضعف النمو الاقتصادي حيث يؤثر على استقرار وملاءة مناخ الاستثمار ويزيد من تكلفة المشاريع ويهدد نقل التقنية ، ويضعف الأثر الإيجابي لحوافز الاستثمار بالنسبة للمشاريع المحلية والأجنبية ، ويؤثر على كل من العدالة التوزيعية والفعالية الاقتصادية نظراً لارتباطه بإعادة توزيع أو تخصيص بعض السلع والخدمات ، حيث يسهم الفساد في إعادة تخصيص الثروات لصالح الأكثر قوة ممن يحتكرون السلطة . كما أن الفساد يعمل ضد الديمقراطية لأنه يزيد من سلطة ونفوذ الأثرياء ويوسع الفجوة بين الطبقات ، كما أنه يؤذي الشريحة الفقيرة من المجتمع ويزيد من نسبة المهمشين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً إلى جانب تشويهه للسياسات العامة وتفتيته للموارد .
إن قدرة مصر على محاربة الفساد والحد من نموه وانتشاره لا تزال رهينة الإرادة السياسية ، وهذا يتطلب محاسبة جميع المفسدين دونما تمييز فينبغي أن لا تفتح الأبواب لبعضهم ويحاكم بعضهم .. بل وصل الأمر إلى محاكمة بعض رجال الأعمال المشهود لهم بنظافة اليد محاكمة عسكرية في حين يطلق الحبل على غاربه للعديد من رجال الأعمال الذين يبغون الفساد في الأرض ويحتكرون السلطة دون حساب ويضعون أيديهم في أيدي الصهاينة المغتصبين باسم الكويز!..
وإذا كانت تصريحات السلطة في مصر تظهر أنها تحارب الفساد إلا أنها تمارس عمليا الفساد بمختلف أشكاله. ولن تكون هناك مصداقية لتصريحاتها بمحاربة الفساد ما لم تقدم على إحداث تغييرات جذرية على أرض الواقع في سياسات الحكم تبدأ بوجود ديمقراطية حقيقية يشعر من خلالها المواطن بالقدرة على التغيير ، ويشعر الجميع أنهم متساوون أمام القانون ، وأنه لا يوجد شخص فوق القانون ، والإبقاء على الحدود بين الدولة والمجتمع ، مع وجود أحزاب سياسية فعالة لا تتحكم الدولة في إنشائها ، والتأكيد على استقلالية القضاء وفاعليته ، والفصل بين السلطات ، والإقرار بمبدأ التداول السلمي للسلطة ، واحترام حقوق الإنسان المدنية والسياسية ، ومنح مؤسسات المجتمع المدني حريات الرأي والتعبير والاجتماع، مع إرساء مبدأ الشفافية في جميع العمليات الحكومية، وإرساء مبدأ المساءلة قيداً على سلوك القائمين على شؤون السلطة ، وإصلاح الجهاز الإداري وتحقيق الكفاية المادية والمعنوية له ، مع الاعتماد في التعيين والترقي على الكفاءة لا الولاء ، ووضع بنية تشريعية - كماً وكيفاً - لمكافحة الفساد وتفعيل تنفيذها .. ولله الأمر من قبل ومن بعد.


الكاتب : admin
التاريخ : 18/08/2008
عدد مرات الاطلاع : 165

رجوع
   
Powered By Datacircle الدكــتور أشرف دوابـه © جميع الحقوق محفوظة