English
Flash movie.
 
 
متى ننفطم عن المعونة الأمريكية ؟!

شهدت مصر في العام 2005 بداية مشروع الكتاب القومي "National book program in Egypt" بالتعاون مع هيئة المعونة الأمريكية (USAID) بتمويل قدره 600 مليون دولار ، لإنتاج كتب وقصص للأطفال موجهة للمدارس الحكومية ، بهدف تغريب ثقافة الطفل المصري، ويتم تنفيذ هذا المشروع من خلال 3 مراحل تنتهي عام 2009 ، وصدر من هذه السلسة قصة تحمل عنوان "اليد العليا" التي تحكي عن طفلة انزعجت بشدة حتى طار النوم من عينيها، لأنها قرأت في الصحف خبرا عن تخفيض المعونة الأمريكية لمصر، وتقول الطفلة بالنص "هالني أن هذه المساعدات الأمريكية بالملايين من الدولارات وتخفيض أي نسبة منها ستكون كبيرة بالطبع ... "المهم ألا يخفض والدي مصروفي بسبب هذا خاصة أنه لا يفي بمطالبي!".

د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ 1 - 7 - 2007
شهدت مصر في العام 2005 بداية مشروع الكتاب القومي "National book program in Egypt" بالتعاون مع هيئة المعونة الأمريكية (USAID) بتمويل قدره 600 مليون دولار ، لإنتاج كتب وقصص للأطفال موجهة للمدارس الحكومية ، بهدف تغريب ثقافة الطفل المصري، ويتم تنفيذ هذا المشروع من خلال 3 مراحل تنتهي عام 2009 ، وصدر من هذه السلسة قصة تحمل عنوان "اليد العليا" التي تحكي عن طفلة انزعجت بشدة حتى طار النوم من عينيها، لأنها قرأت في الصحف خبرا عن تخفيض المعونة الأمريكية لمصر، وتقول الطفلة بالنص "هالني أن هذه المساعدات الأمريكية بالملايين من الدولارات وتخفيض أي نسبة منها ستكون كبيرة بالطبع ... "المهم ألا يخفض والدي مصروفي بسبب هذا خاصة أنه لا يفي بمطالبي!".
وقد شهدت الأيام القليلة الماضية تطبيقا لتلك القصة من خلال مشروع قانون المساعدات الخارجية الذي صدق عليه مجلس النواب الأمريكي متضمنا احتجاز مبلغ 200 مليون دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر في السنة القادمة ضمن المعونة المقدمة عسكريا واقتصاديا لمصر والتي يبلغ حجمها الحالي نحو 1.8 مليار دولار سنويا ، على خلفية اتهام مصر بعدم التصدي لعمليات تهريب السلاح إلى غزة، وبسبب سجلها في حقوق الإنسان. وما تلا ذلك من توجه لجان الكونجرس من بعض أعضاء لجنة "محاسبة مصر"، للمطالبة بإعادة النظر في المعونة الأمريكية المقدمة إلى مصر كلية.
وقد جاءت تصريحات وزير الخارجية المصري السيد أحمد أبو الغيط لتعلن رفض الموقف المصري للموقف الأمريكي باعتباره تدخلا غير مقبول في الشأن المصري. رغم أن التدخل في شئون مصر لم يقتصر على هذا الموقف. كما أن المعونات التي تقدمها مصر للولايات المتحدة لا تقارن إذا ما قيست بتلك المعونة الهزيلة .. فقد ذكر تقرير للكونجرس الأمريكي في شهر يونيو من العام الماضي عن "تقدير الولايات المتحدة لموقف مصر في محاربة الإرهاب والتعاون الاستخباراتي وخاصة في فيما يتعلق بأفغانستان والعراق، وإعادة الإعمار في العراق، وتدريب الكوادر الأمنية العراقية. وكذلك التعاون في عملية السلام مع إسرائيل، والقيام بتدريب عناصر الشرطة الفلسطينية، وإرسال حوالي 750 من الجنود المصريين إلى الحدود ما بين مصر وغزة لمنع تهريب الأسلحة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، وعرض التقرير قبول مصر خدمات أخرى"... ورغم كل هذه التسهيلات يأتي هذا القانون ليجمد 200 مليون دولار من المعونة الأمريكية لمصر، ويتهم مصر بالمساهمة في تهريب السلاح إلى غزة!.
إن هذا الموقف يؤكد أنه من يعطى المعونة يأخذ أكثر منها ولا يرضى تمام الرضا حتى لون سخر الطرف المتلقي نفسه لطاعته والتسبيح والتقديس بحمده. وإذا كانت مصر عرفت المعونة الأمريكية منذ عام1961 ، وبدأت تلك المعونة بصورة مقننة في أعقاب توقيع مصر معاهدة كامب ديفيد عام 1979 ، حتى حصلت مصر على 28 مليار دولار خلال العقود الثلاثة الماضية من هيئة المعونة الأمريكية إلا أن هذه المعونة في حقيقتها معونة للولايات المتحدة وليست لمصر حيث يتم توجيهها وفقا للسياسات الأمريكية لا المصرية. لذا لا يستفيد الاقتصاد المصري سوى بنحو 20% منها و80% منها يعود للاقتصاد الأمريكي مرة أخرى.
فهذه المعونة تشترط أن توجه أموالها لشراء آلات أو معدات أو سلع أمريكية يتم شحنها على سفن أمريكية، وتعتمد على خبراء أمريكان وصل عددهم نحو 26 ألف خبير برواتب مرتفعة، فضلا عن ارتفاع أسعار تلك السلع والمعدات بنحو 50% عن السعر العالمي، وارتفاع تكاليف النقل البحري بنحو 35% عن الأسعار العالمية ، وما تتكلفه دراسات الجدوى للمشروعات المعدة بمعرفة مكاتب أمريكية من ملايين الدولارات.
كما أن المعونة الأمريكية توجه في أولوياتها إلى أنشطة ليس لها أولوية للمواطن المصري اللهم سوى خدمة الإدارة الأمريكية وهو ما ظهر جليا في برامج تنظيم الأسرة، وما يسمى ببرنامج تطوير التعليم في مصر، وبرنامج خصخصة التأمين الصحي. وهو ما يفرغ المعونة على أرض الواقع من اسمها ومضمونها، ويجعل منها هباء منثورا ، فلسان حال أمريكا حين تمنحها يقول : بضاعتنا ردت إلينا.
ورغم ذلك مازلنا نجد المنتفعين والمهرولين الذين لا يريدون لمصر استقرارا ولا استقلالا يدافعون عن المعونة ويشيعون أنه لا يمكن الاستغناء عنها حتى لا نجوع ولا نعرى وحتى لا يتمعر وجه السيد الأمريكي ويأخذ على خاطره منا! ..
إن هؤلاء الذين يروجون لثقافة الجوع والخوف من أمريكا والشدة على المعارضين في مصر ليتهم تدبروا قوله تعالى : "فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف "قريش/ 3-4 " وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله" التوبة/ 28 .. وليتهم تفهموا أن المعونة الأمريكية لمصر لم تأت بخير ، ولن ينتج عن تجميدها كلها شئ ، فهي لا تتجاوز 2% من إجمالي الناتج القومي المصري ، كما أن المعونة الاقتصادية يتم تخفيضها سنويا بمعدل 5% منذ عام 1999 ولمدة عشر سنوات، ثم سيعاد النظر فيها في العام 2009 وهو نفس تاريخ انتهاء مشروع الكتاب القومي لتغريب أطفالنا.
إنه ليس بالمعونة تعيش الشعوب. بل بالمعونة تنتهك سيادة الدول، وتعيش شعوبها عالة على غيرها .. ونحن لسنا من دعاة استعداء الغير علينا ، ولكن من حقنا أن نعتز بأنفسنا وكرامتنا، وألا نخضع لأي ابتزاز لنا. ولنعتمد على سواعدنا وخيرات بلادنا في تنمية اقتصادنا. فالقضاء على قضية واحدة من قضايا الفساد في مصر يغنى عن مد اليد والخضوع لشروط تلك المعونة .. فمصر لا ينقصها موارد أو رأس مال عيني أو بشرى بل ينقصها القدوة ونظافة اليد، وحسن استخدام الموارد، وعدالة التوزيع ..
ولعل الدارس البصير لتجربة دول جنوب شرق آسيا وخاصة ماليزيا يجد أنها اعتمدت في نموها على مواردها. فرغم أن ماليزيا دولة ذات شعب متعدد الأعراق والأديان واللغات والمعتقدات قياسا بمصر، إلا أنها بسواعد وأخلاق أبنائها أصبحت في عداد الدول المتقدمة اقتصاديا.
فقد تولى الدكتور مهاتير محمد رئاسة وزراء ماليزيا في بدايات الثمانينات كما هو الحال في مصر ورغم أن الصادرات المصرية ما زالت نحو 11 مليار دولار، ومعدل البطالة في تزايد مستمر ويقدر بما يربو عن 20 % ، ومتوسط دخل الفرد لا يزيد عن 1000 دولار، وارتفعت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى نحو 60% من الشعب، ومازال الاقتصاد المصري يعانى النكسات واحدة تلو الأخرى- إلا أنه في ماليزيا ترك مهاتير محمد الحكم برغبته في بدايات القرن الحالي تاركا وراءه ارتفاعا للدخل القومي إلى 215 مليار دولار، وارتفاعا لمتوسط دخل الفرد من 1200 دولار إلى 8900 دولار، وانخفاضا لنسبة من هم تحت خط الفقر من 52% إلى 5% ، وانخفاضا لنسبة البطالة من 35% إلى 2% ، وارتفاعا للصادرات من 2 مليار دولار إلى 95 مليار دولار، وبلغت نسبة الصادرات الصناعية 85% من جملة الصادرات، حتى أن ماليزيا تنتج 80% من عدد السيارات التي تسير في شوارعها...
إننا لا تنقصنا معونات أو موارد أو أموال .. بل ينقصنا إرادة الإصلاح وطهارة
الذمم .. فهل آن الأوان للانفطام عن المعونة الأمريكية، وهجر ثقافة التبعية، والتمسك بأخلاقنا الإسلامية، والاعتماد على وأنفسنا ومواردنا؟! .. "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" الرعد/ 11.


الكاتب : admin
التاريخ : 18/08/2008
عدد مرات الاطلاع : 300

رجوع
   
Powered By Datacircle الدكــتور أشرف دوابـه © جميع الحقوق محفوظة