بنك القاهرة وسلسة بيع مصر
أعلنت الحكومة المصرية عن اتخاذ الخطوات التنفيذية لطرح 80% من أسهم بنك القاهرة لمستثمر استراتيجي على أن يحتفظ العاملون بالبنك بنسبة 5% من رأس مال البنك ، وطرْح الـ15% الباقية من خلال طرْح عام على غرار تجربة بنك الإسكندرية، وسوف يتم توجيه صافي الأرباح الرأسمالية من عملية الطرح – وفق تصريحات حكومية- لتدعيم المركز المالي لبنك مصر، وسداد مديونيات شركات قطاع الأعمال العام المتبقية لكل من بنك مصر والبنك الأهلي المصري، بالإضافة إلى دعم بعض مشروعات الإسكان والصرف الصحي الحكومية.
د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ 14 - 7 - 2007
أعلنت الحكومة المصرية عن اتخاذ الخطوات التنفيذية لطرح 80% من أسهم بنك القاهرة لمستثمر استراتيجي على أن يحتفظ العاملون بالبنك بنسبة 5% من رأس مال البنك ، وطرْح الـ15% الباقية من خلال طرْح عام على غرار تجربة بنك الإسكندرية، وسوف يتم توجيه صافي الأرباح الرأسمالية من عملية الطرح – وفق تصريحات حكومية- لتدعيم المركز المالي لبنك مصر، وسداد مديونيات شركات قطاع الأعمال العام المتبقية لكل من بنك مصر والبنك الأهلي المصري، بالإضافة إلى دعم بعض مشروعات الإسكان والصرف الصحي الحكومية.
وقد سبق هذا الإعلان نقل ملف استثمارات بنك القاهرة في الشركات والبنوك المشتركة إلي بنك مصر، مع بيع بعض هذه الاستثمارات خاصة المدرجة بالبورصة، ونقل ملفات كبار عملاء بنك القاهرة المتعثرين إلي بنك مصر لتنظيف محفظة ائتمان بنك القاهرة، وكذلك خفض عدد موظفي بنك القاهرة وقبول طلبات 2100 موظف للخروج للمعاش المبكر.
وكان بنك القاهرة قد تم الإعلان عن دمجه مع بنك مصر في أكتوبر عام 2005 ، للعمل ككيان واحد وفق خطة - ذكرت الحكومة في حينها - لخفض عدد البنوك وجعلها قادرة على المنافسة بقوة أكبر والتعامل مع الديون المتعثرة. وقد تحول الدمج إلى استحواذ في يناير الماضي ومن ثم ظل الكيان القانوني لبنك القاهرة قائما وتم إدارته كأحد الأصول المملوكة لبنك مصر، لحين الانتهاء من عملية إعادة الهيكلة، ثم جاء الإعلان الأخير وليس الآخر عن التوجه لبيع بنك القاهرة (ثالث أهم المصارف في مصر) بفروعه البالغة ١٨٠ فرعاً، ولم يمضى سوى 263 يوماً من بيع بنك الإسكندرية ( رابع أهم المصارف في مصر).
إن واقع الخصخصة في مصر يكشف أنها سلسلة في بيع مصر لا تحكمها قواعد أو أصول فهي في حقيقتها (خسخسة) لأصول البلاد والتفريط في ثروتها بأبخس الأثمان دون مراعاة لجهد الأولين المبذول في بناء تلك الأصول، والتفريط بحق الأجيال القادمة من المصريين. فضلا عن الفساد فائح الرائحة الذي يلوك تلك السياسة بدءا من شركة البيبسى وشركة المراجل وشركات الأسمنت وصفقة عمر افتدى وصفقة بنك الإسكندرية وهلم جرا.
إن الحكومة المصرية للأسف الشديد في كل صفقة تتجمل ثم تحنث بالعهود وتنقضها نقضا، وهذه أصبحت سياسة تسير عليها وتنتهجها فمن قبل أقسموا بأغلظ الإيمان أنه لا مساس ببنوك القطاع العام الأربعة ولا توجد حتى النية لخصخصتها، ثم فوجئ الجميع ببيع بنك الإسكندرية بصفقة خاسرة أمنيا واقتصاديا لبنك سان باولو الايطالي مقابل 1.6 مليار دولار، واستقرت الصفقة في نهايتها في أحضان مستثمر يهودي. ثم هم اليوم يعلنون أنهم لن يفرطوا في بنك مصر أو البنك الأهلي وأنا أقولها بملء الفم سيتم مستقبلا بيع بنك مصر ثم البنك الأهلي، وسيخرج علينا من يدعى أن ذلك الأمر يصب في صالح الاقتصاد.
إنني أتساءل – وهو تساؤل مشروع- من يحاسب تلك الحكومة؟! .. فإذا كانت ارتأت سلفا دمج بنك القاهرة مع بنك مصر.. فلم تراجعت عن الدمج إلى الاستحواذ؟! ثم باعت القضية برمتها وأعلنت البيع بعد كل الدراسات والوقت والمال المهدر في العمل والدراسة!.
وهل من العقل والمنطق أن يتحمل بنك مصر محفظة الديون المتعثرة لبنك القاهرة ويترك للمشترى المحظوظ البنك بمحفظة ائتمانية نظيفة لا تعرف للديون المشكوك في تحصيلها سبيلا !.. إن ذلك مقدمة ليوم قريب سيتم الإعلان فيه عن بيع بنك مصر وسيقال وقتها أن البيع تم للتخلص من تلك الديون المتعثرة!.
إن سياسة تعدد القرارات واللف والدوران أصبحت مكشوفة .. وما أسهل أن تهدم وما أصعب أن تبنى .. ومن تربى على الهدم للغير والبناء لنفسه يستحيل عليه أن يعرف للصالح العام سبيلا !.
إن ما تفعله الحكومة باسم الخصخصة كمن باع أصوله ثم أنفق حصيلتها في الاستمتاع ببعض اللذات الوقتية التي سرعان ما تنقضي ويتحول حاله من سئ إلى أسوأ.. فالأصل الاستثماري ينبغي ألا يتم التفريط فيه من أجل إنفاق استهلاكي .. بل إذا تم بيعه ينبغي أن يحل محله أصل استثماري آخر ، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال : "من باع دارا أو عقارا فلم يجعل ثمنه في مثله كان قمنا أن لا يبارك فيه".
وما الجدوى في بيع بنك القاهرة وتسليم شريان آخر من شرايين الاقتصاد المالي لأجانب يتحكمون في مقدرات البلد ، ويتوسعون ويسيطرون على السوق المصرفية المصرية، ويطبقون أجندة البنوك الأجنبية الرئيسة بالخارج .
إنني لست ضد الخصخصة بوجه عام ولكنى ضد السفه باسم الخصخصة، وما نحتاجه في مصر هو خصخصة رشيدة يكون للدولة دور في الأنشطة والمجالات الإستراتيجية ويترك القطاع الخاص يمارس دوره الوطني جنبا إلى جنب مع قطاع الأعمال العام بمنافسة شريفة.. وإذا كان لابد من خصخصة بنك القاهرة فلتطرح أسهمه في اكتتاب عام أمام المصريين والعرب والمسلمين.. لا بصفقة لمستثمر استراتيجي يكتنفها الغموض وعدم الشفافية وغياب الإفصاح ، وتقييم دائما مشكوك فيه، ومصير لأموال البيع لا يعرف له طريق.
الكاتب : admin
التاريخ : 18/08/2008
عدد مرات الاطلاع : 319
رجوع