سندات وزارة المالية وسلسلة بيع مصر
أعلن الدكتور يوسف بطرس غالى وزير المالية المصري عن طرح سندات مصرية مقومة بالعملة المحلية بضمان الخزانة العامة بقيمة خمسة مليارات جنيه لمدة خمس سنوات في أسواق المال العالمية في أول عملية اكتتاب من نوعها بهذا الشكل.
د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ 5 - 8 - 2007
أعلن الدكتور يوسف بطرس غالى وزير المالية المصري عن طرح سندات مصرية مقومة بالعملة المحلية بضمان الخزانة العامة بقيمة خمسة مليارات جنيه لمدة خمس سنوات في أسواق المال العالمية في أول عملية اكتتاب من نوعها بهذا الشكل.
وقد تم الاكتتاب من قبل مؤسسات مالية أوربية وأمريكية في تلك السندات وتغطيتها بنحو 12.5 مليار جنيه أي بنحو مرتين ونصف من إجمالي قيمة الطرح. وسوف يتم تحويل قيمة تلك السندات المطروحة في الأسواق العالمية إلى البنك المركزي المصري بالدولار الأمريكي على أن تقوم الحكومة بالسداد للبنك المركزي بالعملة المحلية.
وقد صرح وزير المالية المصري أن هذا الإصدار سيكون الأول في سلسة من الإصدارات التي تعتزم الحكومة طرحها بالجنيه المصري قبل نهاية العام الحالي والمتوقع أن تكون مدتها عشر سنوات. وأشار الوزير إلى أن الاكتتاب في تلك السندات وتغطيته بهذه الصورة يؤكد أن سياسات الإصلاح الاقتصادي التي انتهجتها الحكومة منذ عقدين بدأت تؤتى ثمارها وأن ذلك برهان على متانة مؤشرات الاقتصاد المصري والثقة التي باتت تتمتع بها مصر في أسواق المال الأوربية والأمريكية. كما صرح الوزير بأنه سيتم توجيه حصيلة السندات لتمويل عجز الموازنة العامة للدولة حيث من المتوقع أن يصل العام الحالي إلى 6.7%.
وهكذا تأتى هذه الخطوة كحلقة في سلسة بيع مصر المستمرة وإهدارا لحقوق الأجيال القادمة بتحميلهم ديون لا قبل لهم بها في ظل مبررات يطرحها السيد الوزير لم تعد تنطلي على أحد، فالمستثمر الأجنبي لا يهمه سوى العائد والضمان الحكومي الذي يجده في سندات الخزانة، أما الثقة التي يتكلم عنها وزير المالية فهي اسطوانة مكررة تغنى بها من قبل د. عاطف عبيد حينما لجأ للسوق العالمية - في عهد حكومته- بإصدار سندات قيمتها 4 مليار دولار بفائدة 5.8% في الوقت الذي كان سعر الفائدة عالميا لا يتعدى 4% ووقتها صرح قائلا : إن هذا الإصدار يؤكد ثقة السوق العالمية في الاقتصاد المصري.
ولا أدرى أي ثقة يتكلم عنها الدكتور غالى في ظل واقع اقتصادي مؤلم يحس به العامة والخاصة على أرض الواقع؟! ، وفي ظل ما تذكره التقارير الدولية وفي مقدمتها التقرير الرابع للتنافسية الصادر عن المجلس الوطني للتنافسية الذي يشير إلى تراجع مصر في عدد كبير من المؤشرات التنافسية نتيجة لأربعة عوامل رئيسية هي : العجز في الموازنة العامة الذي بلغت نسبته حوالي 9.3% من الناتج المحلى الإجمالي وهى من أعلى النسب في العالم، وارتفاع معدل التضخم الذي بلغ 12.4% ، وضخامة حجم الدين العام ، وارتفاع نسبة البطالة التي بلغت 10.9%.
إن من عجائب هذه السندات أنه تم إصدارها بعائد 8.75% وهو سعر فائدة مغالى فيه وان كان السيد الوزير ذكر أن سعر الفائدة لتلك السندات يقل 0.25% (ربع في المائة) عن سعر الفائدة في السوق المصرية ، ولكنه نسى أو تناسى سيادته أن سعر الفائدة على القروض من مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوربي تتراوح بين 2 – 3%.
إنه للأسف الشديد أصبحت الشكليات والمجملات والمسكنات هي الوسيلة المثلى لدى وزارة المالية المصرية في توجهها نحو علاج عجز الموازنة العامة المتنامي حتى لو تم ذلك على حساب تضخيم الديون الخارجية التي بلغت 30 مليار دولار والديون الداخلية التي بلغت 594 مليار جنيه فضلا عن فوائدها، وهو ما يزيد عن 117% من الناتج المحلى الإجمالي البالغ 650 مليار جنيه وهى نسبة تنذر بالخطر جنبا إلى جنب مع النسبة الكبيرة التي يشكلها العجز في الموازنة العامة للدولة.
إن ما تشهده مصر من بيع لأصولها في الداخل بأبخس الأثمان وتوسع في مديونياتها بأعلى أسعار للفائدة، والتفاخر بذلك رغم أن سياسة إصدار تلك النوعية من السندات لم يطبقها في العالم سوى دولتين هما البرازيل وكولومبيا ينذر بمزيد من الانتكاسات.
كما أن هذه السياسة المالية لا هم لها سوى ارتكاريا عجز الموازنة ودون التزام بالعهد الذي قطعه الرئيس حسنى مبارك منذ عدة سنوات بغلق الباب أمام الاقتراض الخارجي إلا في أضيق الحدود، ودون أي اعتبار لتوجيه تلك الأموال نحو الاستثمار المباشر بصورة تنمى الإنتاجية وتحقق عائدا يفوق فوائد تلك السندات، وينمى الاقتصاد.
إن سياسة ترقيع الديون لا تؤدى بدورها إلا إلى مزيد من الديون ، كما أنها لا تحقق نفعا ولا تجلب إنتاجا ولا تبنى اقتصادا ، وهى التي جلبت الويلات على مصر من قبل في عهد الخديوي عباس حلمي الذي أدت سياسته المالية إلى تضخم ديون مصر الخارجية تجاه فرنسا وبريطانيا وكان ذلك السبب المباشر لدخول القوات البريطانية إلى مصر 1882م ووضع مصر تحت الوصاية البريطانية في العام 1914م ، وقد تكرر المشهد نفسه في عهد الخديوي إسماعيل مما أدى إلى تدخل انجلترا وفرنسا في شئون مصر الداخلية بحجة حماية ديونها.
إن سياسة تضخيم الديون الخارجية وسيلة من وسائل الاستعمار الاقتصادي. ففي الوقت الذي نجد دولة مثل تركيا التي نالت حكومتها بقيادة رئيس الوزراء التركي (رجب طيب اردوغان) ثقة شعبها للمرة الثانية بجدارة لنجاح سياستها المالية القائمة على خنق الفساد باعتباره نزيفا مستمرا للاقتصاد، مما أوصلها إلى الاستغناء عن الاقتراض رغم المغريات الني قدمتها لها مؤسسات التمويل الدولية، في المقابل تجد أن الفساد في مصر أصبح ثقافة ونارا تأكل الأخضر واليابس، كما أن الاقتراض أصبح فريضة ترى وزارة المالية أنه لا مناص منها ، ولا انفكاك عنها، رغم خطورتها فهي وسيلة من الوسائل التي تعتمد عليها المؤسسات المالية الدولية في تطبيق أجندتها الخارجية، ويؤكد ذلك ما كشف عنه حديثا تقرير مركز معلومات البنوك الأمريكي من أن مصر تتصدر قائمة الدول الأكثر اقتراضا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث حصلت على 25% من القروض التي وجهتها البنوك الأجنبية لحكومات دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وذكر التقرير أن البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي ومؤسسة التمويل الدولية نجحوا في إقناع مصر بالاقتراض بكثافة خلال الخمس سنوات الماضية موضحا أن مصر اقترضت من البنك الدولي أكثر من أي دولة أخرى بالمنطقة وحصلت وحدها على 1.272 مليار دولار خلال الخمس سنوات السابقة. وأشار التقرير إلى أن مصر كانت الأكثر استدانة من مؤسسة التمويل الدولية في تلك السنوات الخمس حيث اقترضت 282 مليون دولار كما حصلت على قروض من بنك الاستثمار الأوربي بإجمالي وصل إلى 3 مليار دولار بالإضافة إلى إجمالي قروض من بنك التنمية الأفريقي بلغ 971 مليون دولار خلال تلك الفترة.
وهكذا آل اقتصاد مصر في عهد الدكتور يوسف غالى وأقرانه حيث لا تسود سوى لغة بيع الأصول وترقيع الديون. وليته ومن معه عادوا بالذاكرة إلى الوضع الاقتصادي في مصر في عهد نبي الله يوسف الصديق الذي لم يعرف لبيع الأصول أو ترقيع الديون سبيلا رغم فداحة الأزمة وتراكم المشاكل، وعظم المجاعة فأحسن التخطيط المالي معتمدا بعد ربه على موارده الداخلية في علاج ما حل بمصر من مشكلات ، بادئا بنفسه جاعلا من نفسه قدوة لغيره فكان عليه السلام لا يشبع وإن شبع الناس فسئل عن ذلك فقال : أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.
الكاتب : admin
التاريخ : 18/08/2008
عدد مرات الاطلاع : 379
رجوع