سراب جنة الكويز
شهدت الأيام القليلة الماضية لقاء بين المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة المصري والياهو يليشاى نائب رئيس الوزراء ووزير التجارة والصناعة والعمل الإسرائيلي بمقتضاه تم تعديل نسبة المكون الاسرائيلى في منتجات المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز) لتصبح 10.5% بدلا من 11.7% . وكذلك مناقشة ضم المناطق الصناعية في محافظات جنوب الوادي إلى المناطق الصناعية المؤهلة وهو ما يتطلب أخذ موافقة الجانب الأمريكي .
د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ 27 - 10 - 2007
شهدت الأيام القليلة الماضية لقاء بين المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة المصري والياهو يليشاى نائب رئيس الوزراء ووزير التجارة والصناعة والعمل الإسرائيلي بمقتضاه تم تعديل نسبة المكون الاسرائيلى في منتجات المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز) لتصبح 10.5% بدلا من 11.7% . وكذلك مناقشة ضم المناطق الصناعية في محافظات جنوب الوادي إلى المناطق الصناعية المؤهلة وهو ما يتطلب أخذ موافقة الجانب الأمريكي .
ورغم تخفيض نسبة المكونات الإسرائيلية، والسعي إلى ضم مناطق جديدة للكويز فإن ذلك لن يحقق جنة الكويز التي وعدت بها الحكومة المصرية ابان التوقيع على الاتفاقية في 14/12/ 2004 . واحمد الله تعالى أن تقويمي لتلك الاتفاقية ومستقبلها أصبح واقعا أراه بأم عيني بعد أن كان مجموعة من التوقعات ذكرتها في بدايات العام 2005 في كتابي ( الكويز في المنظور الاقتصادي والشرعي) الذي أصدر شيخ الأزهر بحقه قرارا من المضحكات المبكيات، وذلك بمصادرته حرصا على الوفاء بالعهود مع الصهاينة المحتلين لأرض فلسطين.
إن من يعقد آمالا على جنة الكويز كمن يزرع في الماء وينتظر الحصاد ، ومن ينظر إلى السراب ويحسبه ماء، ونتيجة الأمرين أنه لا حصاد ولا ماء ، وعلى هذا الإطار تسير اتفاقية الكويز، فتخفيض نسبة المكون الإسرائيلي وضم مناطق جديدة حتى يسرح المكون الإسرائيلي في مصر من سيناء إلى أسوان لن يخرج تلك الاتفاقية من تخبطها وكبوتها منذ توقيعها، فمهما تم تخفيض تلك النسبة فلن يكون لها اثر ايجابي ملموس في ظل احتكار المنتج الإسرائيلي لتلك المدخلات ومغالاته في أسعارها مقارنة بالأسعار العالمية، وهذا ما كشفت عنه بيانات وحدة الكويز من ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج الإسرائيلية عن مثيلتها المستوردة من دول أخرى بنسبة تتراوح ما بين 20 – 30% ، بل تعدت تلك الزيادة نسبة 300-400% في بعض المدخلات. وهذا يعنى بالطبع ارتفاع تكلفة المنتج النهائي مما يقلل من مزايا الإعفاءات الجمركية للسلع المصرية، ويحرمها من إمكانية المنافسة في السوق الأمريكية.
كما أن كشف حساب تلك الاتفاقية بعد نحو ثلاثة أعوام من إبرامها يعكس فشلها على المستوى الاقتصادي رغم تزيينها واعتبارها طوق النجاة - عند توقيعها - من تطبيق اتفاقية الجات ، فما قيل عن جنة الكويز وقدرتها على زيادة الصادرات المصرية من المنسوجات والملابس الجاهزة إلى 4 مليار دولار لم يكن إلا سرابا، فوفقا لبيانات وزارة التجارة والصناعة المصرية عن عام 2005م بلغت صادرات مصر من المنسوجات إلى كل دول العالم 649 مليون دولار منها 140 مليون دولار للولايات المتحدة الأمريكية ، و 239 مليون دولار للاتحاد الأوربي. وبالنظر للتوزيع النسبي لتلك الصادرات في عام 2005 نجد أن النسبة الكبرى فيه للاتحاد الأوربي؛ حيث بلغت 37% من الإجمالي، بينما كانت النسبة المتجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية 21%. وفي عام 2004 كانت نسبة الاتحاد الأوربي 36%، والولايات المتحدة 21%. ففي الوقت الذي لم تتغير فيه نسبة صادرات مصر من المنسوجات للولايات المتحدة الأمريكية قبل توقيع الاتفاقية عنه بعد توقيعها فإن الصادرات للاتحاد الأوربي شهد تزايدا في العام التالي لتوقيع الاتفاقية
كما أظهرت بيانات وزارة التجارة والصناعة ضآلة صادرات مصر بصفة عامة إلى الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما قورنت بصادراتها لدول الاتحاد الأوربي حيث تراوحت خلال الفترة من 2001 إلى 2005 ما بين 7.6 إلى 9% من إجمالي الصادرات المصرية، بينما تراوحت نسبة الصادرات للاتحاد الأوربي مابين 25.3 و 45.6% عن نفس
الفترة. وهذه الأرقام توحي للحكومة المصرية بأنه كان من الأولي لها أن تتذكر أنها في شراكة مع الاتحاد الأوربي، تتيح لها إعفاء الصادرات المصرية من السلع الصناعية من الرسوم الجمركية ودون أي قيود كمية. وبذلك فلا حاجة لها إلى دخول السوق الأمريكية عبر البوابة الإسرائيلية.
أما ما قيل عن جنة الكويز للعمالة بتفادي فقدان 150 ألف عامل مصري في صناعة المنسوجات وحدها لعملهم، وتوليدها ما يقرب من 250 ألف فرصة عمل جديدة في تلك الصناعة، فهو سراب كغيره من الوعود، وما أحداث مصانع الغزل بكفر الدولة والمحلة الكبرى عنا ببعيد ! ، وتشير أرقام وزارة التجارة والصناعة المصرية بأن ما تحقق من فرص عمل كان محدودا ، فعدد العمالة الصناعية كان قد بلغ بنهاية عام 2004 نحو 346ر1 مليون عامل . وارتفع العدد بنهاية عام 2005 إلى 379ر1 مليون عامل بزيادة 33 ألف عامل صناعي بكل القطاعات الصناعية من : غزل ونسيج وملابس ومواد غذائية وصناعات هندسية وكيماوية ومعدنية وخشبية ومواد بناء وورق وغيرها.
إن اتفاقية الكويز ما هي إلا اتفاقية سياسية بغطاء اقتصادي تحقق مكاسب لبعض رجال الأعمال على حساب البعض الآخر، وقد اعترفت بيانات وحدة الكويز المنشورة إلى أنه رغم إمكان كل القطاعات الصناعية الاستفادة من الكويز إلا أنه لم يستفد منه سوى صناعة المنسوجات والملابس الجاهزة، واقتصرت استفادة قطاع المنتجات الغذائية على تصدير بعض الخضروات قيمتها 1.1 مليون دولار خلال عشرين شهرا . وتشير بيانات أخرى إلى أن نسبة 80% من قيمة الصادرات من خلال الكويز تأتى من خلال 20% فقط من المصدرين المصريين. وحسب تصريحات وزير التجارة والصناعة (فإن الشركات التي استفادت من التصدير بشروط الكويز 203 شركة من بين حوالي 680 شركة حصلت على شهادات باستيفائها لشروط التصدير عبر الكويز) وهو ما يعنى أن نسبة أن 30% فقط من تلك الشركات هي المستفيدة . كما أضاف الوزير (أن الكويز فتحت المجال لاستقدام مستثمرين للعمل في المناطق الصناعية المؤهلة خاصة من تركيا والهند والصين) ، وهو ما يعنى ضعف القيمة المضافة للاقتصاد المصري من جراء ذلك .
إن الواقع والمنطق يكشف أن تلك الاتفاقية لا تحمل خيرا لمصر بل هي نافذة لإسرائيل لزيادة تغللها في المنطقة العربية والإسلامية، من خلال التعاملات التجارية، مما يدعم اقتصادها ويقوي شوكتها، وهذا يضع على عاتق الشرفاء من أبناء الأمة - من جمعيات أهلية، ونقابات مهنية وعمالية، وأحزاب معارضة وطنية، ولجان مقاطعة السلع الإسرائيلية ومناهضة التطبيع الاقتصادي مع اسرائيل..الخ - العمل بسياسة النفس الطويل بشكل جماعي ودؤوب لمعاقبة المتورطين في هذا التطبيع الاقتصادي وما ارتكبوه في حق الأمة، ودعوة الشعب المصري وباقي الشعوب العربية والإسلامية لمقاطعة منتجاتهم المشتركة مع إسرائيل ، مما يحول بينهم وبين تسويق منتجاتهم في السوق المصرية الضخمة وفي الأسواق العربية والإسلامية الكبيرة. والنتيجة المقابلة ستكون فتح الطريق للشركات الوطنية المصرية التي لم تدخل مناطق الكويز من أجل الانفراد بالسوق المصرية وبالأسواق العربية والإسلامية غير الراغبة في التطبيع مع إسرائيل.
كما ينبغي التفكير جديا في أوساط النقابات المهنية والعمالية، والجمعيات الأهلية، والأحزاب الوطنية المصرية، وجمعيات المقاطعة وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني للعمل على بناء مشروعات صغيرة ومتوسطة وتعاونية لبناء قواعد اقتصادية وطنية تقوم على أسس اقتصادية سليمة وتتوجه للسوق المصرية وللأسواق العربية والإسلامية والإفريقية والأوروبية والعالمية عموما، وتشكل أساسا اقتصاديا قويا وقادرا على تعزيز صمود القوى الوطنية والإسلامية في مواجهة الهجمة الاستعمارية الأمريكية الإسرائيلية والمتعاونين معها محليا.
وعلى الشركات التي لم تنضم للمناطق الصناعية المؤهلة أن تستمر في إنتاجها التصديري إلى أسواق بديلة عن السوق الأمريكية ومعفاة أيضاً بشكل كامل من الجمارك، وهي دول الاتحاد الأوروبي ، ودول الكوميسا الأفريقية ، ودول منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى .
كما يمكن للشركات الصناعية النسيجية التي لم تنضم للمناطق الصناعية المؤهلة التصدير إلى السوق الأمريكية مع دفع الجمارك المطلوبة منها، التي تتراوح نسبتها عادة ما بين 10%-33% حسب نوع المنتجات النسيجية، وتقل نسبة الجمارك عن ذلك بالنسبة للصناعات الأخرى مثل المنتجات الجلدية ومواد البناء والسيراميك وغيرها مع تعويض نسبة الجمارك التي ستدفعها من خلال تقليل تكلفة عملية الإنتاج بنفس النسبة دون أن تقلل من جودة المنتج. كما يمكن أيضاً للشركات التي لم تنضم للكويز الاستفادة من إزالة نظام الحصص، حيث يمكنها تصدير أي كميات من إنتاجها إلى الأسواق العالمية.
وأخيرا فإن الشركات التي رفضت التعامل مع الكويز مدعوة إلى الإعلان على منتجاتها أو على فروع محلاتها بأنها لا تتعامل مع الكويز، حيث سيكون ذلك أدعى للشراء منها من جانب الرافضين للسلع الإسرائيلية من المستهلكين، وهو ما سينعكس على مبيعاتها بالمقارنة مع غيرها من المحلات المتعاملة بالسلع المثيلة.
الكاتب : admin
التاريخ : 18/08/2008
عدد مرات الاطلاع : 353
رجوع