ما بين الدعم العيني والنقدي
يعتبر الدعم وسيلة من الوسائل الهامة التي تلجأ إليها الحكومات لتخفيف الأعباء عن مواطنيها محدودي الدخل، من واقع مسئوليتها الاجتماعية عن محاربة الفقر وتحسين معيشة الأفراد، وتوفير الحد الأدنى اللازم لهم من الاحتياجات الأساسية. ويختلف أسلوب الدعم المتبع من مذهب اقتصادي لآخر، ومن دولة لأخرى، ومن حقبة لأخرى في ذات الدولة.
د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ 24 - 12 - 2007
يعتبر الدعم وسيلة من الوسائل الهامة التي تلجأ إليها الحكومات لتخفيف الأعباء عن مواطنيها محدودي الدخل، من واقع مسئوليتها الاجتماعية عن محاربة الفقر وتحسين معيشة الأفراد، وتوفير الحد الأدنى اللازم لهم من الاحتياجات الأساسية. ويختلف أسلوب الدعم المتبع من مذهب اقتصادي لآخر، ومن دولة لأخرى، ومن حقبة لأخرى في ذات الدولة.
وفي مصر ومنذ سياسة ما سمى بالإصلاح الاقتصادي في بداية التسعينات من القرن الماضي تثار قضية الدعم كأحد القضايا الرئيسة التي ترغب الحكومة في الفكاك منها بحجة أن ذلك الدعم يثقل كاهل الموازنة العامة للدولة، وأنه يتسرب بصورة كبيرة لغير مستحقيه، وقد حاولت الحكومة مرارا - آخرها ما يثار هذه الأيام- التخلي عن الدعم العيني واستبداله بالدعم النقدي، ولكن مازالت الاعتبارات السياسية والاجتماعية والخوف من ثورة الجياع يقدم خطوة ويؤخر أخري في هذا الاتجاه.
وتشير بيانات الموازنة العامة للدولة للعام 2006/2007 إلى أن دعم السلع التموينية ( سكر – زيت- أرز – مسلي ...الخ) يبلع 9 مليار جنيه ، بينما يبلغ دعم فوائد القروض المخصصة للإسكان الشعبي نحو 1.5 مليار جنيه ، في حين يبلغ دعم الأدوية ما يقرب من 400 مليون جنيه ، والمواد البترولية 40 مليار جنيه. ويقدر الدعم في موازنة العالم المالي الجديد2007/2008 بمبلغ 64.46 مليار جنيه، بما يعادل ربع المصروفات في الموازنة (241.500 مليار جنيه)، وهذا المبلغ مرشح للزيادة وفق تصريحات وزير المالية في لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب ليصل إلى نحو 35% أو أكثر من المصروفات.
ورغم ما تمثله تلك الأرقام من عبء كبير على الموازنة العامة للدولة، فإنه يبقي على الدولة المسئولية كاملة في توفير الحياة الكريمة لمواطنيها - وهذا حق لهم لا من عليهم- الذين يعيش أكثر من نصفهم تحت خط الفقر، ويستأثر 5% منهم بغالبية الثروات!.
وإذا كانت الحكومة ترى أن الدعم يصل لغير مستحقيه فيجب أن تحاسب نفسها أولا وتبحث عن موطن الداء لا الفكاك!.. فالفساد المستشري في دولاب السلطة التنفيذية، وزكمت الأنوف من رائحته، لم يأت من فراغ ، بل لأن هناك من المفسدين من يحتمون بحماية السلطة، وأخشى ما أخشاه أن يتحول الفساد إلى ثقافة وأسلوب عمل!. وإلا فما السبب الذي يجعل صاحب مخبز يبيع الدقيق المدعم في السوق السوداء؟. إنه خراب الذمم لديه ولدى مسئول السلطة التنفيذية، الذي يري ما يأخذه فتاتا بالنسبة لفساد الكبار ..وهلم جرا.
إن الحكومة يجب أن لا تزيد من جلد الفقراء من أبناء شعبها ممن يجلدون ليلا ونهارا بحثا عن كسرة خبز.. ذلك الشعب الذي أصبح لا يجد قوت يومه وأصبح كل هم رب أسرة أن يصل الليل بالنهار من أجل أن يوفر لقمة عيش لأبنائه، ومع ذلك يعجز عن توفير الحد الأدنى اللازم لهم في ظل الارتفاع المتنامي في الأسعار الذي لا يبقي ولا يذر.
إنه وفقا للأرقام المعلنة إذا ما طبق الدعم العيني فإن سعر رغيف الخبز سيقفز من 5 قروش إلى 20 قرشا بما يعادل 400 % من قيمته الحالية ، أما سعر أنبوبة الغاز فسيصل في المرحلة الأولى لرفع الدعم إلى 20 جنيها ثم 40 في المرحلة الثانية بما يعادل 1000 و 2000 % من السعر المفترض أن تباع به حاليا ، في مقابل تعهد الحكومة بدعم من ستعتبرهم مستحقين للدعم بتعويضهم بما قيمته 3 أرغفة يوميا لكل فرد وأنبوبة غاز لكل أسرة.
إن الدعم النقدي لن يزيد المشكلة إلا اشتعالا، فهو لن يؤدى إلا إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، ومن ثم لن يكون هناك أي نوع من التوازن والمجاراة بين الدعم النقدي والارتفاع في الأسعار، وهو ما يزيد الفقراء فقرا. حتى لو فكرت الحكومة في ربط الدعم النقدي بالارتفاع في الأسعار من خلال كوبونات أو غيرها فإن ذلك لن يؤدى إلى تحسن ملحوظ في عجز الموازنة العامة للدولة حيث سيتم تخفيض مخصصات الدعم مقابل بند الأجور. بينما الدعم العيني لا يتأثر بهذا الارتفاع في الأسعار، ويوفر حتى لو أدنى القليل للحفاظ على حياة ولا أقول كرامة الإنسان.
إن الحكومة مطالبة ببحث موطن الداء وما سمى بمافيا الدعم ومحاسبة هؤلاء المفسدين، وكذلك تحديث بيانات المستفيدين من الدعم، وتقنين ذلك بصورة تحفظ حقوقهم، وتوفر الحياة الكريمة لهم ، فضلا عن إيقاف الدعم المقدم فعلا لمن لا يستحقونه خاصة ما يتعلق بدعم الطاقة للفنادق والمطاعم والقرى السياحية وشركات الحديد والسماد والأسمدة والشركات التي تعمل تحت بند تنشيط الصادرات وجذب الاستثمار الأجنبي وغيرها، والدعم المقدم للدول كدعم الغاز المصدر لإسرائيل و أمريكا وفرنسا وانجلترا واسبانيا .
وإن أرادت الحكومة أن تعالج العجز المتنامي في الموازنة العامة للدولة فلا تحمل الشعب المطحون ما لا يطيق، ولتبدأ بنفسها لتكون قدوة لغيرها في عدم الإسراف وتبديد الموارد فيما لا فائدة منه، وخنق الفساد كما فعلت تركيا، فلا ينبغي أن يكون إسراف في الحكومة، وتقتير على الشعب!.
وختاما فإنني أحمد الله تعالى أن ما نتنفسه من هواء بيده وحده .. وإلا وجدنا من يصر على خصصته، وبيعه لنا بدعم أو بدون دعم .. فالله ارحمنا يارب..
الكاتب : admin
التاريخ : 18/08/2008
عدد مرات الاطلاع : 158
رجوع