توزيع الثروة بين الماضي والحاضر
كشفت صحيفة "المصريون" في الأسبوع قبل الماضي عن امتناع وزارة الإسكان عن تسليم قطع أراضي في منطقة "التبة" بالحي الأول بمدينة العبور ، كان قد سبق تخصيصها في مطلع العام 2006 لأكثر من ستين مواطنا مصريا لبناء مساكن من دورين فقط عليها ، وقد تم التخصيص بموجب قرعة علنية وقام أصحابها بسداد الرسوم كاملة وقسط التخصيص ، إلا أن جهات نافذة في الوزارة - بموجب صفقة في الخفاء - ترتب حاليا لنزع تخصيص هذه الأراضي من أصحابها الشرعيين ، المواطنين المصريين ، تمهيدا لتسليمها إلى مستثمر خليجي مقابل عمولات تردد أنها تصل إلى خمسة ملايين جنيه مصري ، لإنشاء "كازينو" ومجموعة ملاهي ومنتجعات سياحية.
المصريون : بتاريخ 25 - 3 - 2008
كشفت صحيفة "المصريون" في الأسبوع قبل الماضي عن امتناع وزارة الإسكان عن تسليم قطع أراضي في منطقة "التبة" بالحي الأول بمدينة العبور ، كان قد سبق تخصيصها في مطلع العام 2006 لأكثر من ستين مواطنا مصريا لبناء مساكن من دورين فقط عليها ، وقد تم التخصيص بموجب قرعة علنية وقام أصحابها بسداد الرسوم كاملة وقسط التخصيص ، إلا أن جهات نافذة في الوزارة - بموجب صفقة في الخفاء - ترتب حاليا لنزع تخصيص هذه الأراضي من أصحابها الشرعيين ، المواطنين المصريين ، تمهيدا لتسليمها إلى مستثمر خليجي مقابل عمولات تردد أنها تصل إلى خمسة ملايين جنيه مصري ، لإنشاء "كازينو" ومجموعة ملاهي ومنتجعات سياحية.
كما كشفت صحيفة "المصريون" في الأسبوع الماضي أيضا عن مضمون لطلب إحاطة لأحد أعضاء مجلس الشعب يتضمن وجود مافيا جديدة للاستيلاء على الأراضي الزراعية بشرق قناة السويس في محافظة الإسماعيلية. منها على سبيل المثال استيلاء إحدى الشركات على 1000 فدان من أراضي المشروع القومي لوادي التكنولوجيا وتقسيمها وبيعها ، واستيلاء شركة أخرى على 2000 فدان من أراضي الدولة الواقعة خلف محطة مياه الشرب بالقنطرة شرق ،وقيام رئيس المدينة بتوصيل المياه للشركة بدون وجه حق أو سند قانوني . وكذلك استيلاء نجل عضو مجلس شعب على 1665 فدانا تحت بدون سند قانوني ، واستيلاء رئيس نادي الإسماعيلي على 350 فدانا بعلم محافظ الإسماعيلية بحجة إنشاء مصنع أسمنت بجوار المنطقة الصناعية ، ولكنه قام بتسقيع الأرض تمهيدا لبيعها.
كما كشفت بعض الصحف في الشهر الماضي عن قيام الجهاز المركزي للمحاسبات والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة بإجراء تفتيش مالي وإداري لمكتب وزير الزراعة للتحقيق في بلاغات قدمت للنائب العام، اتهمت مكتب الوزير ببيع أراض لأقارب مسئولين ، حيث تقدم أحد المحامين ببلاغ اتهم فيه مكتب الوزير بمنح ثلاث سيدات ورجل قطع أراض مميزة ثمنها 350 ألف جنيه، إحداهن زوجة مدير مكتب الوزير، وزوجة أحد معاوني مدير المكتب وزوجة الحارس الشخصي للوزير، والرابع هو مدير عام الشئون الإدارية بالوزارة .
وهذا الأمر لم يصبح غريبا بل أصبح من العاديات وقليل من كثير في زمن يخون فيه الأمين ويؤتمن فيه الخائن .. زمن الرويبضيات .. فأراضى مصر وثرواتها – للأسف الشديد- مستباحة لأصحاب السلطة والنفوذ وأهل الولاء ورجال الأعمال الذين تزوجوا بالسلطة من أجل مصالحهم.
ففي شرق التفريعة اشترى هؤلاء المتر بالملاليم وبالتقسيط المريح ثم باعوه بآلاف الجنيهات ، وحدث ذلك في كل أرض جديدة ، بدءا من أراضي الريف المصري فالساحل الشمالي وقراه السياحية ، فطريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، وطريق الإسماعيلية الصحراوي والسويس الصحراوي ، ومدن القاهرة الجديدة والشروق و 6 أكتوبر والعاشر والنوبارية ووادي النطرون والصالحية وحتى توشكى المجدبة ...الخ.
كما أن المار بالعديد من هذه المدن مرور الكرام سوف يجد أن أراضيها مازالت تعلوها أسماء العديد من كبار المسئولين الحاليين والسابقين ، ورجال الأعمال الذين تزوجوا بالسلطة ، وأصبحوا إقطاعا فاق ما كان عليه الوضع أيام الملكية ، إقطاعا لا يعرف سوى لغة الفساد وتحيط به الأنانية والأثرة من جميع جوانبه، ولا يعرف للعقيدة رقيبا و لا للعفة طريقا ، رغم أنهم مازالوا يتغنون بأنهم من أبناء ثورة يوليو التي جاءت كما قيل للقضاء على الإقطاع وأعوانه!.
إن المتصفح لصفحات الماضي المجيد ليوقن لماذا وصل حالنا إلى ما نحن فيه؟! .. لماذا أصبح مجتمعنا مكون من طبقتين طبقة عائمة مترفة وطبقة غارقة مطحونة لا تجد قوت يومها حتى أصبح عندنا ما يسمى بشهداء الخبز؟! .. لماذا أصبحت جيوب المنافقين ملآنة وكروشهم ممتدة وجيوب الشرفاء خاوية وبطونهم منقبضة؟! .. لماذا أصبح الأفاقون ومن يساندهم من الإعلاميين مؤتمنين وأصحاب الأمانة إما في السجون مأسورين أو على هامش الحياة مبعدين؟! .. لماذا من يتاجر ويحتكر أقوات ومواد البناء في المناصب مرفوع .. والشعب من دونه مغلوب؟!..
إن الخلل يكمن في غياب العدل والمساواة في العطية بين الرعية التي أرساها الإسلام ، ويكفي هنا أن أذكر مثالا عن معايير توزيع الأراضي في عهد الخلافة الراشدة .. فقد جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر رضي الله عنه في زمن خلافته فقالا: يا خليفة رسول الله، إن عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعنا لعلنا نحرثها أو نزرعها، لعل الله أن ينفع بها بعد اليوم، فقال أبو بكر لمن حوله: ما تقولون فيما قالا، إن كانت أرضا سبخة لا يُنتفع بها؟ قالوا: نرى أن تقطعهما إياها، لعل الله ينفع بها بعد اليوم. فأقطعهما إياها، وكتب لهما بذلك كتابا، وأشهد عمر، وليس في القوم، فانطلقا إلى عمر يشهدانه، فوجداه قائما يهنأ بعيرا له، فقالا: إن أبا بكر أشهدك على ما في الكتاب فنقرأ عليك أو تقرأ؟ فقال: أنا على الحال الذي تريان، فإن شئتما فاقرءا وإن شئتما فانتظرا حتى أفرغ، فأقرأ عليكما قالا: بل نقرأ فقرءا فلما سمع ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل عليه فمحاه، فتذمرا، وقالا مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله كان يتألفكما، والإسلام يومئذ ذليل وإن الله قد أعز الإسلام فاذهبا فأجهدا جهدكما، لا رعى الله عليكما إن رعيتما. فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمران فقالا: والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: لا، بل هو لو كان شاء؛ فجاء عمر وهو مغضب، فوقف على أبي بكر فقال: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين أرض هي لك خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة. قال: فما حملك أن تخص بها هذين دون جماعة المسلمين؟ قال: استشرت هؤلاء الذين حولي فأشاروا علي بذلك. قال: فإذا استشرت هؤلاء الذين حولك، فكل المسلمين أوسعتهم مشورة ورضًا. فقال أبو بكر رضي الله عنه: قد كنتُ قلتُ لك إِنَّك على هذا أقوى مني، ولكن غلبتني.
هذا هو الفرق بين من يحمى ثروات البلاد والعباد حتى لو كانت أرضا سبخا لا وزن لها وبين من يضيعها ويهدرها!.. وهذا هو الفرق بين من يؤثر ربه ودينه على أولاده وذويه ومحاسيبه ، وبين من لا يراقب ربا ، ويقنن للفساد ،ولا يعرف حرمة للمال العام ، ولا يهمه سوى مصلحته وذويه ولو كان ذلك على حساب مصالح العباد!.
وإذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته قد ساوى بين الناس في العطية ، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بداية خلافته سار على نهج سلفه الصديق ثم ما لبث بعد فتح العراق أن أخذ مشورة الناس حتى وقع رأيه على معيار : التفضيل الذي يقوم على التقديم والتأخير في العطاء ، فقسم الناس إلى طبقات لا عن هوى وقرابة بل عن تقوى وبلاء ، وساوى بين أفراد كل طبقة في العطاء قويهم وضعيفهم عربيهم وعجميهم ، فقال رضي الله عنه: "الرجل وبلاؤه في الإسلام ، والرجل وقدمه في الإسلام ، والرجل وغناؤه في الإسلام ، والرجل وحاجته ، والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه". فجعل قواعد أربع كأساس عادل لزيادة العطاء أو نقصه وهي : (البلاء) ، وفي هذا يقول رضي الله عنه: "ثم إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين فإنا أخرجنا من ديارنا ظلما وعدوانا" ، وفي موضع آخر يقول رضي الله عنه: "ومن أسرع في الهجرة أسرع به العطاء ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء ، فلا يلومن رجل إلا مناخ راحلته" ، (والقدم) أي المنزلة ، ولكن في دين الله لا في الأحساب والأنساب أو المرتزقة الذين يأكلون على كل الموائد أو أهل الولاء ، (والغناء) وهو النفع وما يرجى من الخير على أيدي أصحاب الرأي السديد أو العلم النافع أو القضاء العادل أو فتح أو نصر، لا للراقصين والراقصات والماجنين والماجنات، (والحاجة) حيث كان يميز رضي الله عنه بين الناس وفقا لأعباء العيال ، فكان يمنح كل وليد مائة درهم كضمان اجتماعي، فإذا ترعرع زادها مائتين حتى إذا ما بلغ زاده مرة أخرى، وكان في أول خلافته يفرض للفطيم دون الوليد حتى سهر ليلة في حراسة فسمع صبيا لا يقر ليله ، فعرف أن أمه تتعجل فطامه لحاجتها إلى العطاء، فرجع عن رأيه الأول وقال مقولته المشهورة : "يا بؤسا لعمر كم قتل من أولاد المسلمين" ثم أمر مناديا فنادى : ألا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وكتب بذلك إلى الآفاق.
وفي الوقت الذي كان يمنح فيه عمر العطاء للرعية، كان لا يأخذ من بيت المال شيئا متحملا نفقاته وأهله من جيبه الخاص ومكث زمانا على هذا النحو ، رغم أنه هو نفسه من أفتى للصديق باستحقاقه راتبا من بيت مال المسلمين لتفرغه للخلافة بما يصلح شأنه وعياله، ولما دخلت عليه خصاصة بعد ذلك استشار صحابة رسول الله في أمر معيشته ، فأشار عليه على بن أبي طالب رضي الله عنه بأن يأخذ من بيت المال ما يصلحه ويصلح عياله بالمعروف ليس له من هذا الأمر غيره، وأقر الصحابة اقتراح على رضي الله عنه.
وقد حدد عمر بناء على ذلك ما يستحل له من بيت المال فقال : حلتان حلة في الشتاء وحلة في القيظ، وما أحج عليه واعتمر من الظهر وقوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم " ، وكان عمر يأخذ من بيت المال كل يوم درهمين له ولعياله وأنفق في حجته مائة وثمانين درهم! .. ولما ادخرت زوجته من راتبه رغم ضآلته أعاد ما ادخرته إلى بيت المال وخفض راتبه.
إن عمر رضي الله عنه تربى في مدرسة النبوة ، كما تربى فيها سلفه الصديق رضي الله عنه ، وعرف كل منهما قيمة الحرص على المال العام ، وقد رأي عمر بنفسه كيف فعل الصديق مع نفسه ، فقد قال لابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين حضرته الوفاة : أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا وليس عندنا من فئ المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر وأبرئ منهن ، ففعلت فلما جاء الرسول عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده. يا غلام ارفعهن. فقال عبد الرحمن بن عوف: سبحان الله!! تسلب عيال أبي بكر عبداً حبشياً، وبعيراً ناضحاً، وجرد قطيفة ثم خمسة دراهم؟! قال: فما تأمر؟ قال: تردهن على عياله. فقال عمر: لا والذي بعث محمداً بالحق، لا يكون هذا في ولايتي أبداً، ولا خرج أبو بكر منهم عند الموت، وأردهن أنا على عياله، الموت أقرب من ذلك.
أين كل هذا مما نراه من تبديد للثروات ، واتساع خرق الفساد وانحراف الراقع ، حتى احتار الشريف ، وارتفع الوضيع ، وانتشر الفقر كالهشيم ، وأصبحت الضائقة المالية ، تأخذ بخناق جموع الناس – إلا المحظوظين- فتحول بينهم وبين الحصول على أدنى ضروريات الحياة، حتى أصبح الحصول على رغيف الخبز من الأمنيات!.. ولا أزمة أعنف من أزمة الرغيف ، ولا عضة أقوى من عضة الجوع والمسغبة ، ولا حاجة أشد من حاجة القوت ، وطالب القوت ما تعدى . وقد دخلت الجارية على محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ، فقالت : يا سيدي فني الدقيق . فقال : قاتلك الله ! أذهبت من رأسي أربعين مسألة.
إن مصر ليست فقيرة الموارد والثروات ولكنها تعانى من تخمة ممن ينهبون هذه الموارد والثروات بقانون وبغير قانون!.
الكاتب : admin
التاريخ : 18/08/2008
عدد مرات الاطلاع : 152
رجوع