English
Flash movie.
 
 
ثمار الخصخصة المصرية

اتجهت الحكومة المصرية في العام 1993 إلى تبنى برنامج ما سمى بالإصلاح الاقتصادي من خلال التحول من الاعتماد على القطاع العام إلى القطاع الخاص أو ما يسمى بالخصخصة Privatization وترسيخ آليات السوق بهدف التوسع في عملية الإنتاج ، وإضافة طاقات إنتاجية جديدة، ,دفع عجلة التنمية K وزيادة فرص العمل داخل الاقتصاد القومي كما قيل.


د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ 29 - 4 - 2008
اتجهت الحكومة المصرية في العام 1993 إلى تبنى برنامج ما سمى بالإصلاح الاقتصادي من خلال التحول من الاعتماد على القطاع العام إلى القطاع الخاص أو ما يسمى بالخصخصة Privatization وترسيخ آليات السوق بهدف التوسع في عملية الإنتاج ، وإضافة طاقات إنتاجية جديدة، ,دفع عجلة التنمية K وزيادة فرص العمل داخل الاقتصاد القومي كما قيل.
وقد بلغ عدد الشركات التابعة للقطاع العام وفقا لبيانات حكومية 399 شركة في يونيو 1991 برأس مال 9.3 مليار جنيه واحتياطيات 7.5 مليار جنيه وإجمالي أصول 148.6 مليار جنيه ، وقد ساهم هذا القطاع بنحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 1991/1992 ، ونحو 10 في المائة من حجم قوة العمل الموظفة على المستوى القومي ، حيث كان يعمل به أكثر من مليون وثلاثمائة ألف عامل، وقد تم خصخصة 240 شركة منذ العام 1993 حتى نهاية العام 2007.
وقد مرت تجربة الخصخصة في مصر بالعديد من المآخذ ، فالطرق التي تم بها تقييم الشركات فتحت الباب للمضاربة على الشراء بأقل من القيمة الحقيقية للأصول المباعة وهو ما فتح المجال لقيام المستثمرين بإعادة بيع هذه الأصول فيما بعد بأسعار أعلى. كما أن الخصخصة فتحت الباب على مصراعيه للأجانب دون وضع حدود قصوى للتملك بخلاف ما عليه العمل في الدول الغربية - التي تبنت الخصخصة – ذاتها ، وقد ظهر ذلك واضحا جليا من خلال استيلاء الأجانب على سوق الأسمنت في مصر واحتكارهم له. ولم ترسخ الخصخصة المصرية فقط لاحتكار الأجانب بل دعمت احتكار فئة من المصريين في الداخل من خلال تخصيص بعض المشروعات في يد واحدة تحتكر كما تشاء ، وهو ما تم في شركة حديد الدخيلة التي تم بيعها لمنافسها بأموال البنوك التي هي أموال الشعب ، بل ومنذ أيام تم تخفيض الجمارك على مستلزمات إنتاج الحديد المستوردة من الخارج.
إنه لا توجد دولة من دول الغرب تبنت الخصخصة وفتحت الاستثمار بدون ضوابط أو معايير لملكية الأجانب كما وجدنا في المعايير العجيبة للخصخصة المصرية ، ففي بريطانيا (أم الخصخصة) لا ترفع الدولة يدها من المشروعات الإستراتيجية ، حيث تمتلك ما يسمى بالسهم الذهبي وهى حصة في تلك الشركات تتيح لها توجيه تلك الشركات وفق المصلحة العامة ، كما أن بريطانيا كان عندها حرص شديد ألا تزيد حصة مكتب الاستثمار الكويتي في شركة البترول البريطانية British Petroleum بعد تحويلها للقطاع الخاص عن 9 في المائة بعد أن زادت حصته إلى 21.25 في المائة في العام 1988 ، وصدر حكم قضائي يؤيد ذلك معترضا على أن تكون لشركة عربية حصة كبيرة بهذه الشركة. وحدث نفس الشيء في شركة مواني دبي فيما يتعلق بإدارتها للمواني الأمريكية. وفي تركيا حكمت المحاكم بإلغاء عمليات البيع لبعض الشركات لأنها غير قانونية.
إن الخصخصة في مصر رسخت لمفهوم سيطرة رأس المال وانتشار الفساد وزواج المال مع السلطة حتى وجدنا العديد من الصفقات المشبوهة التي أضاعت الموارد ،وشردت العمال ، ورسخت الاحتكار، وقننت الإدارة بالفساد. ويكفي أن أذكر هنا بعض الحالات لهذا التجاوز الصارخ. فقد تم بيع شركة أسمنت أسيوط بمبلغ مليار و267 مليون جنيه رغم أنها كانت تحقق أرباحا سنوية بلغت 136 مليون جنيه، كما تم بيع الشركة المصرية لتعبئة الزجاجات الغازية بمبلغ 131 مليون جنيه رغم أن هذا المبلغ يقل عن القيمة الحقيقة بكثير، كما تم بيع فندق المريديان بمبلغ 75 مليون دولار أي بنحو 40 في المائة فقط من قيمة الأرض وحدها التي تساوى 630 مليون جنيه.
كما تم بيع البنك المصري الأمريكي بأقل من سعره فضلا عن دخول وزيرين حاليين في صفقة شراء البنك مما حقق لهما ميزة لم تتوفر لغيرهما في عملية الشراء . وكذلك صفقة بيع عمر أفندي ، وهي أول صفقة يخرج فيها أحد أعضاء لجنة التقييم التي شكلتها وزارة الاستثمار ليروى تفاصيل محاولة الوزير فرض تقييم محدد للشركة بالمخالفة للتقييم الحقيقي الذي أجرته هذه اللجنة. فاللجنة انتهت إلى أن سعر تقييم الشركة هو 1139 مليون جنيه وأن هذا السعر تم التوصل إليه من خلال تقييم الأصول بالحد الأدنى للسعر. وقد ذكر المهندس يحيى حسين مثالا للتقييم بالأرض المملوكة للشركة في مدينة نصر في موقع يقدر سعر المتر فيه بنحو 5 آلاف جنيه ، وقد قدرته اللجنة بنحو 3 آلاف حتى لا تتهم بالمغالاة في التقييم ، ورغم ذلك فقد طلب وزير الاستثمار أن يكون التقييم بأقل من 438 مليون جنيه ليكون أقل من السعر المعروض في الصفقة وهو 450 مليون جنيه، وقد تم الضغط على أعضاء لجنة التقييم للتوقيع على التقرير المعد سلفا من وزارة الاستثمار مع أن الفارق بين تقييم اللجنة التي شكلتها الوزارة والسعر المعروض يبلغ نحو 690 مليون جنيه.
كما أن شركة المراجل البخارية التي تعد الشركة الوحيدة في الشرق الأوسط - بخلاف شركة مثيلة في دولة الكيان الصهيوني - والتي تقوم بتزويد المراجل والأوعية للمستشفيات والمصانع ومحطات الطاقة النووية – التي نتغنى بها الآن- ، بيت لها بليل للتخلص منها فبعد أن كانت تحقق أرباحا منذ نشأتها في الستينات حتى العام 1991 تم عمل توسعات مقصودة بها ، أدت إلى خسارتها ، حتى تم التضحية بها وبيعها في العام 1994 بمبلغ 17 مليون دولار لشركة بابكوك وويلكوكس مصر والتي يرأس إدارتها المهندس خالد شتا الذي قام – وفق مستندات وردت إلى من عمال الشركة - في نوفمبر 2002 بأعمال هدم ورشة تصنيع الغلايات الصغيرة ومخزن خامات ومسجد الشركة ومبنى إداري ومركز التدريب والذين يقعوا على مساحة نحو 11 فدانا من المساحة الكلية للشركة التي تبلغ أكثر من 30 فدانا بناحية منيل شيحة مركز الجيزة في مقابل منطقة المعادى ، وتم إخفاء معالم الهدم. ورغم التنبيه من قبل وزارة قطاع الأعمال على السيد خالد شتا بعدم التصرف في أراضي الدولة إلا بالرجوع للوزارة ، فقد باع في فبراير 2005 الأرض إلى شركة والده ذات النشاط العقاري والسياحي ، والتي هو أصلا عضوا في مجلس إدارتها مخالفا بذلك شروط العقد الذي ينص على الاحتفاظ بنشاط واستثمارات الشركة لمدة 25 عاما ، ثم قام بعد ذلك باستئجار الأرض والمباني والإنشاءات من والده لحساب شركته (البائعة) لمدة عامين من أكتوبر 2005 إلى سبتمبر 2007 مع إمكانية مد العقد لعام آخر ، وفي فبراير 2008 انتهت فصول تلك المسرحية حيث قام السيد خالد شتا ببيع شركة المراجل لشركة أوراسكوم للفنادق والتنمية - التي هو عضو أيضا بمجلس إدارتها - لعمل منتجع سياحي مع نقل العمال وعددهم 230 عاملاً وإدارياً وفنياً ومهندساً إلى فروع شركة أوراسكوم في مدينة 6 أكتوبر والعين السخنة وأبو رواش في موعد أقصاه نهاية سبتمبر 2008 وهو موعد انتهاء عقد الإيجار من شركة والده دون مراعاة لكفاءتهم ومحل سكنهم وشركتهم التي بنيت على أكتافهم ... وهكذا تتحول الصناعات الأساسية إلى خدمات ترفيهية تضر ولا تنفع سوى أصحابها وكأننا أصبحنا ننتج احتياجاتنا ونكتفي بأنفسنا ولا يوجد لدينا فقيرا ولا مسكينا ولا محروما ولم يبق لنا إلا المنتجعات السياحية لتوفيرها!.
إنه إذا كان يعاب على القطاع العام فشله في دفع عملية التنمية ومساهمته في خلق مشكلات عجز الموازنة حيث عجز عن دعم عجز الميزان الجاري من خلال ضعف قدرته على التصدير فضلا عن استيراده لآلات ومعدات ومستلزمات إنتاج ، مما أدى للاعتماد على القروض الأجنبية وتضخم مشكلة الديون الخارجية، فضلا عن الديون الداخلية، ولكن ما يذكر لهذا القطاع أنه لم يغفل البعد الاجتماعي ، هذا بخلاف القطاع الخاص الذي لا يعرف سوى لغة الربحية، إضافة إلى أن الصورة في مصر – الآن - أصبحت أسوا حالا مما كانت عليه أثناء سيادة القطاع العام، فالقطاع العام إذا كان يعاب عليه ظهور الإدارة الطفيلية فإن الخصخصة أدت إلى ظهور الملكية الطفيلية ، كما أن الاحتكار تحول من القطاع العام إلى القطاع الخاص ، والعمالة تم التضحية بها بثمن وبدون ثمن ، ومشروعات الخصخصة تحولت إلى بوتيكات تسوق الخدمات وعجزت عن تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للتنمية، كما أن عجز الموازنة لم ينخفض بل هو في تزايد مستمر وأموال الخصخصة ذهبت أدراج الرياح ، فحصيلة برنامج الخصخصة بمصر – حسب تصريحات حكومية - بلغت حوالي 7ر35 مليار جنيه في الفترة من 1996 / 1997 وحتى 30 يونيو 2006 ، وتم توجيهها لدعم موارد الموازنة العامة للدولة، وسداد جانب من مديونيات شركات قطاع الأعمال العام للبنوك وكذلك الإصلاح الفني والإداري وإعادة هيكلة الشركات المتعثرة، وصرف تعويضات المعاش المبكر للعاملين بالشركات التي يتم خصخصتها.. وهكذا تحولت الأصول الرأسمالية إلى هباء منثورا.
والأولى من كل هذا العبث أن لا يتم التفريط في القطاع العام أو الإفراط في الخصخصة ، وذلك بأن يعود المسلمون إلى دينهم ويتحاكموا إلى شريعتهم ، فالإسلام لا يقف ضد القطاع الخاص بل هو أساس التنمية فيه ، فنظامه الاقتصادي يقوم على احترام الملكية الفردية وصيانتها ولكن لا يرضي لها سوى أن تنمو في حضن القيم الإيمانية فلا غش ولا تدليس ولا احتكار ولا مقامرة ولا ربا ولا غرر ولا رشوة ولا أكل لأموال الناس بالباطل. وهو في الوقت نفسه لا يترك المشروعات الإستراتيجية التي تمس حياة المواطنين ومعيشتهم كلية للقطاع الخاص من طاقة وماء وصحة وتعليم ونحوها فالدولة هي صاحبة اليد الطولى فيها.


الكاتب : admin
التاريخ : 18/08/2008
عدد مرات الاطلاع : 451

رجوع
   
Powered By Datacircle الدكــتور أشرف دوابـه © جميع الحقوق محفوظة