د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ 8 - 7 - 2008
تشهد مصر صورة غير مسبوقة من غلاء الأسعار وتنامي الاحتكارات بيد رجال أعمال عرفوا طريقهم إلى السلطة. وفي مقدمتهم من وجدناه يقف في وجه حكومته في تعديلات قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية ، حيث قام محتكر الحديد بمصر وأمين التنظيم بالحزب الوطني المهندس / أحمد عز بالوقوف بقوة يسانده نواب الأغلبية للحد من التعديلات في المواد العقابية في القانون المذكور على خلاف ما جاءت به الحكومة للحد من الاحتكار.
فقد تضمنت التعديلات التي وافق عليها مجلس الشعب المصري تحديد حد أقصى للعقوبة على أي ممارسة احتكارية بغرامة قدرها 300 مليون جنيه وألغى المجلس النص الذي تقدمت به الحكومة بأن تكون الغرامة بحد أقصى 50 مليون جنيه أو 15% من قيمة المبيعات أيهما أكبر لردع المحتكرين وهو ما عارضه المهندس / أحمد عز وحشد النواب لعدم الموافقة على النص الحكومي.
وكالعادة اعترض نواب الإخوان والمعارضة والمستقلين ولكن أقر الأغلبية تلك التعديلات التي خرجت القانون من مضمونه حتى أن وزير التجارة والصناعة المهندس رشيد محمد رشيد نفسه لم يكن راضيا عن تلك التعديلات. بل إن الأدهى والأمر أن نواب الأغلبية طالبوا بإعادة المداولة في المادة الخاصة بإعفاء المبلغ عن الممارسة الاحتكارية من العقوبة، مؤكدين ضرورة حذف المادة من مشروع القانون وتم التصويت ووافق المجلس بالأغلبية رغم اعتراضات نواب الإخوان والمعارضة والمستقلين.
وهكذا يتم فتح الباب للمحتكرين بقانون فتحول القانون إلى قانون منع المنافسة وحماية الممارسات الاحتكارية، دون مراعاة لخطورة الاحتكار لما فيه من الجشع والطمع وسوء الخلق والتضييق علي الناس، وفتح الطريق لظهور طبقات طفيلية كل همها الكسب السريع دون أية اعتبارات أخلاقية. فالاحتكار تمتد خطورته إلى بنية المجتمع وتمس كل فرد من أفراده وتحول بينهم وبين متطلبات حياتهم وتجعل حياتهم مزيدا من العسر والمشقة والحرج. في نفس الوقت الذي تزيد فيه ثروة المحتكر على حساب المجتمع وأبنائه. ومن أجل هذا أعلن الإسلام الحرب على المحتكرين ، فعن معمر بن عبد الله - رضى الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من احتكر فهو خاطئ" (رواه مسلم).
وعن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" (رواه ابن ماجه).
وعن معقل بن يسار- رضى الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من دخل في شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقا علي الله تبارك وتعالى أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة" (رواه أحمد) .
وفي المقابل جعل الإسلام التاجر الذي ييسر على الناس ولا يغالى في الأسعار في منزلة الشهداء. فقد روى القرطبي في تفسيره عن ابن مسعود -رضى الله عنه- قوله : "أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء".
كما روى القرطبي في تفسيره أيضا عن بعض السلف أنه كان بواسط، فجهز سفينة حنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: بع الطعام يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره إلي غد، فوافق سعة في السعر، فقال التجار للوكيل: إن أخرته جمعه ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعه فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال وتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كفافاً لا علي ولا لي.
والإسلام في الوقت ذاته يحث على المنافسة الشريفة من خلال الحرية الكاملة للأسواق في إطار الضوابط الشرعية في الكسب والربح، فالأصل في الإسلام عدم التدخل بفرض سعر معين للسلع المتداولة في الأسواق. فالتعامل في شريعة الإسلام مبناه على الحرية وصحة ما يتراضى عليه المتعاقدان، وفي هذا منع للضرر الذي يعوق حركة التعامل في الأسواق، فضلا عن الضرر الذي يتعرض له أصحاب السلع والمنتجات. يقول الله تعالى: }لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ{ النساء/29.
وروى أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله e فقالوا: يا رسول الله سعر لنا فقال: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلاَ مَالٍ"(رواه الترمذي).
وفي هذا يقول الإمام الشوكاني: "إن الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم, والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين, وليس نظره في مصلحة المشترى برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن, وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقولـه تعالى: }إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ{ النساء/29، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء.
على أن أصحاب السلع إذا ظلموا وتعدوا تعدياً فاحشاً يضر بالسوق عن طريق التحكم في السعر, فإن التسعير حينئذ يصبح واجباً لصيانة حقوق الناس, ومنعاً للاحتكار, ودفعاً للظلم الواقع عليهم.
والتسعير على هذا نوعان (كما يقول الإمام النووي) : محرم، وجائز, فإذا تضمن ظلم الناس بثمن لا يرضونه, وأكرهوا عليه بغير حق فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز , فإذا باع الناس سلعهم على الوجه المعروف وقد ارتفع السعر؛ إما لقِّلة الشيء أو لكثرة الخلق فهذا إلى الله, وإكراه الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه غير مشروع , أما إذا امتنع أصحاب السلع عن بيع سلعهم مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا وجب بيعهم السلع بقيمة المثل، والتسعير هنا جائز وعادل.
فمتى يفيق أصحاب القرار ؟ ومتى يرتدع المحتكرون ويتدبرون ويوقنون أن احتكارهم سوف يكون وبالا عليهم إن عاجلا أو آجلا في الدنيا والآخرة ؟!.
كلمة أخيرة :
رحل عن عالمنا المفكر الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري .. رحل وهو قوى الإرادة رغم مرضه .. رحل وهو يشتكى لربه كيف أبت حكومته أن تعالجه في الوقت الذي تستنزف فيه الناس بالضرائب والغلاء وتفتح الباب لعلاج الراقصات والممثلين والممثلات باسم الثروة القومية .. رحل المسيري ولم يودعه رسمي واحد .. وهذا من علامات مصداقيته وحسن خاتمته إن شاء الله تعالى .. فالحكومة للأسف تنظر إلى من يعارضها كأنه ليس مصري وضد مصر لا ضد تصرفاتها .. رحل المسيري بعد أن تنبأ بزوال دولة الكيان الصهيوني وكشف عن فراغها الداخلي .. رحل المسيري وقد ترك علما وفكرا حيا يحتذي به وينتفع به .. فاللهم تقبله في عليين واحشره مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.. اللهم آمين.