طوق النجاة وخرافة الحرية الاقتصادية
طوق النجاة وخرافة الحرية الاقتصادية
يعيش العالم أزمة مالية مصدرها النظام الاقتصاد الحر أو نظام اقتصاد السوق الذي اتخذ من (الدولة تحكم ولا تملك) شعارا له ، وسارعت للأسف العديد من الدول الإسلامية في تطبيقه ، من خلال سياسة العصا حينا والجزرة حينا آخر التي فرضها صندوق النقد الدولي بهيمنة من أكبر اقتصاد عالمي وهو الاقتصاد الأمريكي .
طوق النجاة وخرافة الحرية الاقتصادية
د. أشرف محمد دوابه – المصريون - بتاريخ 8 - 10 – 2008
يعيش العالم أزمة مالية مصدرها النظام الاقتصاد الحر أو نظام اقتصاد السوق الذي اتخذ من (الدولة تحكم ولا تملك) شعارا له ، وسارعت للأسف العديد من الدول الإسلامية في تطبيقه ، من خلال سياسة العصا حينا والجزرة حينا آخر التي فرضها صندوق النقد الدولي بهيمنة من أكبر اقتصاد عالمي وهو الاقتصاد الأمريكي .
وقد كشفت تلك الأزمة عن أن الأنظمة الغربية يقولون ، ما لا يفعلون ويرضون لأنفسهم ما يحقق مصالحهم ، ويريدون من غيرهم أن يكون حقل تجارب لنظرياتهم. ففي الوقت الذي يتغنون فيه بالحرية الاقتصادية شمروا سواعد الدولة للتدخل الحكومي، فعادت الدول الغربية - التي طالما تغنت بجنة الخصخصة المطلقة - لتتملك من جديد الشركات والأصول للحيلولة دون انهيار نظامهم الرأسمالي النفعي الذي لا يهتم إلا بنفسه وأوشك أن يقضي على نفسه. وقد صرح وزير الخزانة الأميركية هنري بولسون أن التدخل غير المسبوق والشامل للحكومة يعتبر الوسيلة الوحيدة للحيلولة دون انهيار الاقتصاد الأميركي بشكل أكبر، وتعليقا على التدخلات الحكومية قال رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي بين بيرنانك إنها ضرورية لضمان ألا تؤدي الديون المعدومة إلى انهيار النظام المالي والاقتصاد. وفي هذا الإطار أقر مجلس النواب الأمريكي ما سمي بخطة الإنقاذ المالي التي تنبأ الاقتصادي الأمريكي الكبير جوزيف ستيغلتز بنتيجتها قائلا : إن خطة الإنقاذ المالي الأميركية لن تتمكن من إعادة الاستقرار تماما للاقتصاد. كما صرح وزير المالية الألماني بير شتاينبروك أن الولايات المتحدة ستفقد مكانتها كقوة عظمى في النظام المالي العالمي.
إن كل هذه الخطوات تبرز أن التاريخ يعيد نفسه فقد نشأت المدرسة الكلاسيكية التي يسير على نهجها نظام اقتصاد السوق أو النظام الاقتصادي الحر باعتباره وريثا أو امتدادا للنظام الرأسمالي على يد عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث في القرن التاسع عشر الذي نظر للنظام الرأسمالي في كتابه ( ثروة الأمم )، وأكد على الحرية الاقتصادية (دعه يعمل دعه يمر) ، وعارض تدخل الدولة في الاقتصاد عملا بفكرة اليد الخفية التي رأي من خلالها أن البحث عن المصلحة الخاصة يحقق المصلحة العامة تلقائيا.
ومع ظهور أزمة الكساد العالمي العظيم (1929-1933) كشفت هذه الأزمة عن عجز المدرسة الكلاسيكية ، وفي الوقت نفسه برز على السطح الفكر الكينزى من خلال كتاب جون ماينارد كينز (1936) الذي دحض فيه النظرية الكلاسيكية وأثبت خرافة اليد الخفية ، ودحض الإدعاء بأن الأسواق تتمتع بالقدرة على إصلاح عدم توازنها، ورأى أن أحوال الكساد والتضخم تحتاج إلى تدخل مباشر من قبل الدولة لإصلاحها، وكانت الدعوة لتدخل الدولة قوية خاصة بعد تعطل قوى الإنتاج وخروج ما يزيد على ربع القوى العاملة الصناعية إلى البطالة. وبالفعل استخدمت الدول الغربية سياسة الإدارة الاقتصادية - في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية - في إعادة البناء الاقتصادي وفي التخطيط والنمو المستقبلي. وتمكنت النظرية الكينزية من تحقيق الازدهار الاقتصادي في الخمسينيات والستينيات حيث أقدمت الدول الغربية على تأميم بعض الصناعات والأنشطة الهامة بالنسبة للاقتصاد ككل مثل الحديد والصلب والكهرباء والسكك الحديدية، كما أصبحت المشروعات الخاصة خاضعة لتوجيه الدولة بشكل عام، وانتصرت في تلك الفترة المدرسة الكينزية على غيرها من المدارس الاقتصادية.
ولكن في السبعينات والثمانينات والتسعينات خاصة مع انهيار الشيوعية وبزوغ القطب الواحد حدث ارتداد فكري بالنسبة لدور الدولة حيث اتجهت نحو خصخصة المشروعات العامة وإعطاء المزيد من الحرية في التصرفات مرة أخرى للمشروعات الخاصة وتقلص وسائل الرقابة عليها. ومع أزمة الرهن العقاري عززت الدولة من دورها مرة أخرى ولجأت إلى شراء مؤسسات خاصة منعا لانهيارها واستخدمت السياسة النقدية والمالية للحيلولة دون انهيار النظام المالي العالمي. فما أشبه الليلة بالبارحة!.
وكل هذا يؤكد أن الحرية الاقتصادية هى حرية نسبية ولا يوجد شئ اسمه حرية اقتصادية مطلقة ، فالكون ليس آلة حركها الله ثم تركها تدور بدون تدخل كما ترى المدرسة الغربية ، ولا يمكن أن تغل يد الدولة، وقد شهد بذلك شاهد من أهلها وهو الرئيس الفرنسي ساركوزي الذي وجه سهام انتقاداته للنظام الرأسمالي قائلا :"إن فكرة وجود أسواق بصلاحيات مطلقة دون قيود، ودون تدخل الحكومات هي فكرة مجنونة.. فكرة ان الأسواق دائما على حق هي فكرة مجنونة".
وكل هذا يبرز قيمة النظام الاقتصادي الإسلامي الذي ينظر للفرد والجماعة معا ولا ينتظر وقوع الأزمات حتى تتدخل الحكومات بل يقي أصلا من وقوع الأزمات ، فهو يحترم الملكية الفردية ولا يكبتها - كما في النظام الاشتراكي- ويؤهلها لتنمو في حضن القيم الإيمانية فلا غش ولا تدليس ولا احتكار ولا ربا ولا مقامرة ولا غرر ولا غبن ولا استغلال كما هو عليه نظام اقتصاد السوق ، وهو في الوقت نفسه لا يهمل دور الدولة كشريك للتنمية مع القطاع الخاص من خلال اضطلاعها بمشروعات المنافع العامة التي تقوم عليها حياة الناس من خلال أفضل استخدام للموارد المائية والرعوية ومصادر الطاقة والثروة المعدنية، فالناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار.
إنني على يقين أن عهد الهيمنة الاقتصادية الأمريكية أوشك على الانتهاء ، فهذا من سنن الله الكونية وصدق الله العظيم إذ يقول : "ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" الأعراف/34 .. فهل المسلمون أصحاب الرسالة والمنهج الشامل الصالح لإنقاذ البشرية جمعاء على مستوى الحدث والجاهزية؟! .. هذا ما أتمناه لأمتي خير أمة أخرجت للناس - وإن كان الواقع لا يعكس ذلك- وما ذلك على الله بعزيز!.
الكاتب : editor
التاريخ : 27/10/2008
عدد مرات الاطلاع : 323
رجوع