الإنفاق الاستهلاكي .. قنبلة اقتصادية موقوتة
الإنفاق الاستهلاكي .. قنبلة اقتصادية موقوتة
في الوقت الذي يعاني فيه العالم من طاعون مالي نتيجة للتداعيات السلبية لأزمة الرهن العقاري يتم الترويج بالعديد من الدول العربية لأخذ المزيد من القروض التي تدعم الإنفاق الاستهلاكي.
الإنفاق الاستهلاكي .. قنبلة اقتصادية موقوتة
د. أشرف محمد دوابه – المصريون - بتاريخ 26 - 10 – 2008
في الوقت الذي يعاني فيه العالم من طاعون مالي نتيجة للتداعيات السلبية لأزمة الرهن العقاري يتم الترويج بالعديد من الدول العربية لأخذ المزيد من القروض التي تدعم الإنفاق الاستهلاكي. فقد تبنت البنوك إستراتيجية ما يسمى البيع بالتجزئة Retail ، حتى أصبح التسابق بينها محموما في تسويق منتجاتها المصرفية وفي مقدمة ذلك بطاقة الائتمان، التي أصبحت تحاصر المواطن العربي من خلال سعى مندوبي المبيعات بالبنوك إلى استخدام سياسة النفس الطويل والقصير حتى تجعل من المواطن أسيرا لتلك البطاقات وما يترتب عليها من سير الفرد في حلقة مفرغة من الديون لا ينفك عنها.
إنك ما تكاد تذهب إلى عملك إلا وتجد لقاءا حميما أو اتصالا هاتفيا ينتظرك من مندوب أحد البنوك ليقنعك بالحصول على بطاقة ائتمانية أو قروض شخصية وتمويلات بمزيد من الإغراءات والشروط الميسرة لشراء سيارة أو شراء سلع استهلاكية معمرة وغيرها، وكأن خزائن البنك قد فتحت من أجلك.
ولم يتوقف الأمر على البيع الشخصي من خلال مندوبي المبيعات بل أصبح المواطن العربي مستهدفا من خلال الإعلانات التي أصبحت تدخل مخادع البيوت عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ولم تسلم منها الشوارع والميادين. حتى أنه رغم ما لحق بالبورصات العربية من خسائر متلاحقة من جراء الطاعون المالي وضياع أموال الآلاف تحت وطأة لهيب هذه الخسائر وجدنا إعلانا ترويجيا للاستثمار في البورصة يملأ شاشات العديد من القنوات الفضائية المصرية الحكومية والخاصة يقول " سهم في الإيد انت مالك ومستفيد " وكأنهم يريدون بذلك دفع الجمهور إلى مزيد من الخسائر تحت مسمى أن السعر الآن منخفض وملائم وأن البورصة ستصحح نفسها. وهذا قول لا يمس للواقع ولا الحقيقة بصلة ويردده أذناب النظام الرأسمالي المتصدع ناسين أو متناسين أن النظام الرأسمالي عجز على أن يصحح نفسه وأن الدول التي تتبناه تخلت عن فلسفته في سعيها للخروج من الأزمة الطاحنة وذلك من خلال تبنى سياسة تدخل الدولة سواء من خلال تأميم البنوك والمؤسسات المالية أو ضخ السيولة أو تخفيض سعر الفائدة أو ضمان ودائع العملاء. ورغم مئات المليارات التي تنفق لعلاج الأزمة فإنها أصبحت لا تختلف عن عملية تقل دم لمريض يعانى نزيف داخلي.
إن تبنى المصارف والمؤسسات المالية إستراتيجية بيع التجزئة بحثا عن أسر المواطن العربي في سجن الديون غير من النمط الاستهلاكي للمستهلك العربي الذي أصبح لا يلقى بالا بمن يقولون "انفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب" ، فطموحاته أكبر وأبعد من ذلك بكثير حيث أصبحت رؤيته "أنفق ما في الغيب" أملا في حدوث زيادة في دخله، وهو ماساهم في سيادة ثقافة الاستهلاك غير الرشيد.
فعلى سبيل المثال كشف تقرير صادر في يونيو الماضي عن دائرة التخطيط والاقتصاد في إمارة أبو ظبي أن حجم الإنفاق الاستهلاكي الخاص (العائلي) وصل إلى 320 مليار درهم ، يشكل ما يقارب من نصف الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات العربية المتحدة بعد أن ارتفع بنسبة 122% خلال السنوات الخمس الماضية من 144 مليار درهم عام 2002 إلى 320 مليار درهم عام 2007 بمتوسط معدل نمو سنوي بلغ 18% وهو ما يعادل أكثر من ضعف معدل النمو الاقتصادي الحقيقي للدولة خلال الفترة نفسها. وأظهر التقرير أن نتائج المسح الميداني حول دخل وإنفاق الأسر في إمارة أبو ظبي خلال العام الماضي وحتى نهاية الربع الأول من هذا العام أظهرت الميول الاستهلاكية لدى أفراد المجتمع حيث تستقطع نحو 60% من دخل الأسر بينما ترتفع هذه النسبة إلى 87% تقريبا لدى الأسر التي يقل دخلها الشهري عن 10 آلاف درهم.
إن تبنى ثقافة الاستهلاك خاصة في ظل تفشي الطاعون المالي العالمي يمثل ثقافة سلبية ، وهو ما يؤدى إلى مخاطر لا يقتصر أثرها على الجانب الاقتصادي فقط بل يمتد للجانب الاجتماعي والسياسي والشرعي. فعلى مستوى المخاطر الاقتصادية : تؤدى سيادة ثقافة الاستهلاك إلى انهيار المقومات الأساسية للنمو ممثلا في الادخار والاستثمار، فالدخل القومي هو محصلة الاستهلاك والادخار ، وزيادة الاستهلاك سوف تكون بالطبع على حساب الادخار الذي يساعد على زيادة التكوين الرأسمالي مما يساعد بدوره على زيادة الإنتاج والتشغيل. ومن الحقائق الثابتة أن البلدان ذات الادخار المرتفع قد نمت بصورة أسرع من البلدان ذات الادخار المنخفض. كما أن التسليم بتعظيم الاستهلاك كهدف رئيس في حياة الفرد يحول بينه وبين التضحية من أجل الآخرين، وهو الأمر الذي ينعكس أثره سلبا على نصيب الأجيال القادمة من الموارد، وفي نهاية المطاف لا يسلم أداء السوق والحكومة من التأثير السلبي لذلك الاستهلاك. كما أن سيادة ثقافة الاستهلاك تؤدي إلى تضاعف الحاجات البشرية وتجاوزها قدرة الموارد المتاحة على تلبيتها، وهو ما يعنى مزيدا من ارتفاع الأسعار، فضلا عن خلق بيئة غير صحية أمام المنتج المحلى مما يعرضه للانهيار، ويزيد من الاختلال الهيكلية، مما يكرس مفهوم التبعية والاعتماد على الغير بديلا عن الاعتماد على الذات.
وعلى مستوى المخاطر الاجتماعية : فإن هجوم الثقافة الاستهلاكية يؤدى إلى مخاطر اجتماعية على الأسرة يأتي في مقدمتها نشر ثقافة الدول المصدرة وما ينتج عن ذلك من تبعية ثقافية، وفقدان للهوية، فضلا عن افتقاد العديد من السلع لمعايير السلامة الصحية، وكذلك الحيلولة دون وجود قدوة استهلاكية من الآباء للأبناء، بالإضافة إلى إرباك ميزانية الأسرة من خلال استهلاك العديد من السلع التي لا معنى لها، وهو ما يوقع الأسرة في براثن الاقتراض، مما يؤثر على كيان الأسرة وقد يؤدى إلى انفصام عراها.
وعلى مستوى المخاطر السياسية : يأتي في مقدمة ذلك مخاطر التبعية نتيجة الاعتماد على الغير في تلبية حاجات المستهلكين، فضلا عما يترتب عن التمادي في سياسة الاستهلاك الترفي غير الرشيد التي يمتد ضررها إلى بنيان الدولة ذاتها.
وعلى مستوى المخاطر الشرعية : يأتي في مقدمة ذلك مخاطر الخروج على الأخلاق والآداب والهوية الإسلامية من خلال تقليد الغرب في المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك، وكذلك الإسراف والتبذير والترف، والجري وراء المظاهر الفارهة والكرم المصطنع والشراء الانفلاتي، رغبة في الشراء من أجل الشراء، بل وإنفاق المال أحيانا في معصية الله، وهو الأمر الذي لا يرضى ربا، ولا يسعد رسولا، ولا يقيم للفرد وزنا.
إن عالمنا العربي ينبغي أن يستوعب دروس الأزمة المالية العالمية ولا يترك بابا من أبواب أسبابها إلا وأغلقه، وقد كان من مسببات تلك الأزمة إفراط البنوك والمؤسسات المالية في الولايات المتحدة الأمريكية في منح القروض العقارية والتغاضي عن تدقيق السجل الائتماني للعميل حتى بلغت تلك الديون أكثر من 1.3 تريليون دولار ، وفي الوقت نفسه فإن الاقتصاد الأمريكي معرض إلى مضاعفة الأزمة المالية في ظل تنامي ديون البطاقات الائتمانية والتي وصلت قيمتها إلى تريليون دولار، وانخفاض جودة عملائها .
وسياسة منح بطاقات الائتمان والقروض الاستهلاكية في البنوك والمؤسسات المالية العربية لا تختلف عن تلك السياسة، وهو ما يمثل قنبلة اقتصادية موقوتة قابلة للانفجار. وهذا يحتم على أجهزة الرقابة ممثلا في البنوك المركزية وضع معايير صارمة للرقابة على تلك النوعية من القروض بما ينوع من المحفظة الائتمانية للبنوك ، ويرسخ مفهوم التركيز على جودة المبيعات لا حجم المبيعات من خلال تدقيق السجل الائتماني للعميل.
إننا نوقن أنه لا يمكن تصور مجتمع بدون استهلاك، فالاستهلاك هو العملية الحيوية التي قامت عليها الدورات الاقتصادية المنعشة للأمم، كما أنه السبب الأساسي في التطور الحضاري منذ أقدم العصور، وبسببه قامت الثورات الاجتماعية والحروب الدولية، فالاستهلاك ليس كله شر أو عملية ذميمة كما يصورها البعض، ومن الظلم أن يتم وصف أي شيء مبتذل على أنه استهلاكي، فالرشادة فيه خير وعملية مفيدة للفرد والمجتمع ، والإسراف فيه شر وعملية مضرة بالمجتمع، والتربية الادخارية خير ، والخير كل الخير في الوصية القرآنية : "وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ" الأعراف ، 31 ، والوصية النبوية : "ما عال من اقتصد".
الكاتب : editor
التاريخ : 31/10/2008
عدد مرات الاطلاع : 183
رجوع