English
Flash movie.
 
 
الأزمة المالية العالمية والسياسة النقدية الخليجية

الأزمة المالية العالمية والسياسة النقدية الخليجية

يعيش العالم أزمة اقتصادية مصدرها النظام الرأسمالي النفعي ، وفي ظل كون الأسواق المالية القطرية جزء من الأسواق العالمية التي أصبحت كسوق قرية صغيرة بات من المؤكد أن تلك الأزمة لن يفلت من تأثيرها المباشر أو غير المباشر أحد ، وإن كانت درجة التأثير سوف تختلف وفقا لطبيعة الارتباط بذلك السوق، وسبل العلاج.

الأزمة المالية العالمية والسياسة النقدية الخليجية 

د. أشرف محمد دوابه - مجلة المصارف الكويتية – نوفمبر 2008
يعيش العالم أزمة اقتصادية مصدرها النظام الرأسمالي النفعي ، وفي ظل كون الأسواق المالية القطرية جزء من الأسواق العالمية التي أصبحت كسوق قرية صغيرة بات من المؤكد أن تلك الأزمة لن يفلت من تأثيرها المباشر أو غير المباشر أحد ، وإن كانت درجة التأثير سوف تختلف وفقا لطبيعة الارتباط بذلك السوق، وسبل العلاج.
وسوق النقد جزء من أسواق المال وفيه تتداول الأدوات المالية قصيرة الأجل وفي مقدمتها العملات الأجنبية، وهذا السوق أكثر عرضة للتأثر من غيره بالأزمة الاقتصادية العالمية ، فالدولار الأمريكي من أهم العملات المتداولة فيه ، ولكن الدولار الآن يعيش مرضا مزمنا من آثار الأزمة المالية العالمية التي بلا شك ستفقد أمريكا ولايتها الاقتصادية التي فرضتها - سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة - على الأنظمة الاقتصادية في غالبية دول العالم .
فمنذ اللحظة الأولى لتطبيق خطة الإنقاذ الأمريكية تهاوى الدولار في جولة من جولات التهاوي المتكررة والمستمرة بعد أن تعافي بعض الشئ ، وقد كان هذا التعافي وليد ضخامة الطلب على السيولة الدولارية في أسواق النقد في الآونة الأخيرة ، وما لبث أن تهاوى نتيجة استفحال الأزمة وما ترتب عليها من خسائر فادحة للاقتصاد الأمريكي تصل في بعض التقديرات إلى تريليون دولار ، وما نتج عن ذلك من زيادة معدلات البطالة الأمريكية بصورة فاقت التوقعات - حيث بلغت نسبة 6.2 في المائة وهو المعدل الأعلى منذ 9 سنوات- ، وانخفاض العجز المزمن المتنامى والمتوالي في الميزان التجاري الأمريكي منذ العام 2001 والمتوقع أن يبلغ 788 مليار دولار خلال هذا العام ، وتنامي المديونية الأمريكية والتي من المتوقع أن تبلغ نحو 62.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال هذا العام، فضلا عن الضغوط المتنامية على الموازنة العامة الأمريكية لعوامل سياسية ، وعوامل عسكرية نتيجة مستنقع حرب أفغانستان والعراق المتوقع أن تصل تكلفتها ما بين‏2.4‏ و‏4.5‏ تريليون دولار حتى عام‏2017.
وفي ظل هذه المعطيات فإن السياسة النقدية التي تقوم على الارتباط بالدولار في دول الخليج العربي
– عدا الكويت التي فكت ارتباطها بالدولار - تحتاج إلى وقفة للوقاية من عدوى المرض الأمريكي وتفحله. فإذا كانت هناك مبررات تم قبولها من قبل لعدم فك الارتباط الكاثوليكي بين العملات الخليجية والدولار باعتبار أن الولايات المتحدة من أهم الحلفاء التجاريين والسياسيين لدول الخليج ، وأن تداول النفط الذي يمثل الجزء الأكبر من الصادرات الخليجية يتم بالدولار، وأن إيرادات ونفقات الحكومات الخليجية تقدر بالدولار، وأن الجانب الأكبر من الأصول العامة مقومة بالدولار وما يترتب من التحول عن ذلك من خسائر اقتصادية كبيرة. فإن الواقع يفرض على الدول الخليجية أهمية الخروج من هذه الارتباط بطريقة إرادية هادئة فقد ألقى تراجع الدولار واستمراره في ذلك بظلاله على الاقتصاد الخليجي، فانخفاض سعر صرف الدولار له تأثير مزدوج على اقتصاد الدول الخليجية المرتبطة بالدولار ، نتيجة لهذا الارتباط من جهة ، وبسبب تسعير النفط من جهة أخرى. فانخفاض سعر الدولار يسهم بصورة أخرى في ارتفاع قيمة كل من اليورو والين اليابانى والجنيه الاسترلينى مما ينتج عن ذلك زيادة في قيمة الواردات الخليجية التي تأتي غالبيتها من تلك الدول مما يسهم في ارتفاع معدلات التضخم المستورد وهو جانب منظور خلال العامين الماضيين. كما أن النفط يمثل الأولوية في صادرات دول الخليج وليس لديها من المنتجات غير النفطية ما يمكن أن تستفيد منه عند انخفاض قيمة عملاتها من خلال زيادة الصادرات من تلك المنتجات غير النفطية، فضلا عن أن النفط باعتباره المصدر الأكبر للإيرادات قد شهد انخفاضا مع بدء تطبيق خطة الإنقاذ الأمريكية وحتى بفرض استمراره في الارتفاع فإن انخفاض الدولار وارتباط حصيلة مبيعات النفط به يحول دون تحقيق مكاسب صافية من ارتفاع أسعار النفط، وقد كشف تقرير منظمة أوبك عن شهر يوليو 2007 إلى أنه على الرغم من تسجيل أسعار النفط أسعارا قياسية في يونيو من العام 2007 فإنه عند احتساب معدلات التضخم والتغير في أسعار الصرف العالمي فإن أسعار النفط الحقيقية انخفضت بمقارنتها بأسعار 2006.
كما أن ارتباط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي قد أدى إلى تبنى السلطات النقدية في الدول الخليجية المرتبطة بالدولار نفس مسار الدولار الأمريكي ، ففي حالة انخفاض سعر الفائدة على الدولار يتم خفض الفائدة تلقائيا على العملات الخليجية ، رغم اختلاف طبيعة البنيان الاقتصادي الخليجي عن الأمريكي ، فالاقتصاد الخليجي لا تعانى جنباته من أزمة ولا يشكو من تباطؤ أو ركود بل ينطلق نحو النمو بعكس الاقتصاد الأمريكي الذي يسير نحو الهاوية ويفتقد هيمنته العالمية تدريجيا . فهذا المنحى في السياسة النقدية إن كان يناسب الاقتصاد الأمريكي المتعثر إلا أنه لا يناسب الاقتصاد الخليجي بل إنه يزيد من معدلات التضخم - نتيجة زيادة عرض النقود - الذي يعد أهم مشكلة تواجه الاقتصاد الخليجي، كما أنه يؤدي إلى انخفاض قيمة احتياطيات الدول الخليجية في مقابل العملات الأخرى وهو ما يعني خسارة المليارات من العملات المحلية بسبب تراجع الدولار. وتشير إحصائيات صندوق النقد الدولي في هذا الشأن إلى أن العملات الخليجية فقدت ما بين 20 و30 في المائة من قيمتها خلال السنوات الخمس الماضية بسبب الارتباط بالدولار.
إن فك ارتباط العملات الخليجية بالدولار بات محتما فأسباب انخفاض سعر الدولار تتفاقم ولا تلوح في الأفق نهاية لها فاحتلال العراق وأفغانستان يزيد من فاتورة الأمريكان وأزمة الرهن العقاري تنتقل للأسواق العالمية كالهشيم ، والخطة الأمريكية للعلاج لن تفعل الكثير في ظل تصدع النظام الرأسمالي الذي لا يهمه إلا نفسه وأوشك بفعل هذه السياسة النفعية أن يقضي على نفسه!.
كما أن فك الارتباط ليس بدعا ، فدولة الكويت رغم علاقاتها الإستراتيجية بالولايات المتحدة فكت ارتباط الدينار الكويتي بالدولار الأمريكي في 20 مايو 2007 واعتمدت على اعتماد تحديد سعر صرف الدينار الكويتي على أساس سلة من العملات العالمية الرئيسة على النحو الذي كان متبعا قبل الخامس من يناير 2005.
إن استشراف المستقبل الخليجي يؤكد أهمية البدء في الوقت الحالي في إتباع سياسة نقدية تقوم على الارتباط بسلة عملات بديلا عن الارتباط بالدولار مع القيام في الوقت نفسه بإعادة تقييم بسيطة لتعويض الخسارة الناجمة عن الانخفاض الحاد في قيم العملات المحلية، لحين ميلاد الوحدة النقدية بين دول الخليج إلى أرض الواقع كما هو مقرر لها بحلول عام 2010 ، والتي تقوم على تبني كافة دول المجلس – عدا عمان التي ارتأت عدم المشاركة - عملة موحدة مقابل العملات العالمية، وتبني سياسات نقدية ومصرفية موحدة، والاحتفاظ باحتياطيات من العملات الأجنبية يديرها بنك مركزي واحد وتحقيق تقارب اقتصادي معقول.
إن الوضع الراهن الملبد بغيوم الأزمة الأمريكية يشكل فرصة سانحة للارتباط بسلة عملات في الأجل القصير مع الاعتماد على هيكلة وتنويع الاقتصاد في الأجل الطويل. فالعملات الخليجية في ظل هذا الوضع سوف تأخذ مكانتها وقيمتها العادلة والحقيقية ، وتكون في منأى من التأثر المطلق بتقلبات أسعار صرف الدولار عالميا، وتعزز من قيمتها مقابل عدد كبير من العملات الدولية ومن ثم خفض تكلفة الاستيراد من هذه الدول لاسيما دول الاتحاد الأوربي، فضلا عن تعديل قيم الصادرات النفطية المباعة بالدولار وإيرادات الاستثمار الأجنبي لاسيما الأصول الخليجية الموظفة بالعملة الأمريكية ، وتخفيض تكلفة السياحة لاسيما أمام الدول الأوربية المتعاملة باليورو ، إضافة إلى أن فك الارتباط يسهم في السيطرة على التضخم خاصة في ظل ترشيد الإنفاق العام. والأهم من كل ذلك هو تجنب ويلات الأزمة العالمية وغلق السبل أمام انتقال عدواها.


الكاتب : editor
التاريخ : 15/01/2009
عدد مرات الاطلاع : 359

رجوع
   
Powered By Datacircle الدكــتور أشرف دوابـه © جميع الحقوق محفوظة