أزمة المال العالمية : الأسباب والحلول
أزمة المال العالمية : الأسباب والحلول
يعيش العالم أزمة مالية مصدرها النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد تحولت تلك الأزمة إلى طاعون مالي لم ينجو من ويلاته أحد ، فانتشر ذلك الطاعون المالي في جنبات الاقتصاد العالمي، وإن كان تأثيره يختلف من منطقة لأخرى. ولم تسلم منه منطقتنا العربية التي تهاوت البورصات فيها، وأصبح ارتباط عملاتها بالدولار عبئا عليها.
أزمة المال العالمية : الأسباب والحلول
د. أشرف محمد دوابه - مجلة أراء حول الخليج – الإمارات – ديسمبر 2008
يعيش العالم أزمة مالية مصدرها النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد تحولت تلك الأزمة إلى طاعون مالي لم ينجو من ويلاته أحد ، فانتشر ذلك الطاعون المالي في جنبات الاقتصاد العالمي، وإن كان تأثيره يختلف من منطقة لأخرى. ولم تسلم منه منطقتنا العربية التي تهاوت البورصات فيها، وأصبح ارتباط عملاتها بالدولار عبئا عليها.
وتعتبر أزمة الرهن العقاري الأمريكية أسوأ أزمة يمر بها الاقتصاد العالمي منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي حسب وصف وزير الخزانة الأمريكي السابق روبرت روبن ، وتوقع رئيس صندوق النقد الدولي دومينيك ستراوس حصول مزيد من المتاعب.
أسباب الأزمة
وقد كشفت هذه الأزمة عن ثلاث فقاعات يحكمن الاقتصاد العالمي الأولى : فقاعة سعر الفائدة أو الربا ، والثانية : فقاعة بيع الديون ، والثالثة : فقاعة المقامرة . وكل منهم يرتبط بالآخر. فقد ارتبطت بوادر تلك الأزمة بصورة أساسية بالارتفاع المتوالي لسعر الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ عام 2004، وهو ما شكل زيادة في أعباء القروض العقارية من حيث خدمتها وسداد أقساطها، خاصة في ظل التغاضي عن السجل الائتماني للعملاء وقدرتهم على السداد حتى بلغت تلك القروض نحو 1.3 تريليون دولار في مارس 2007م، وتفاقمت تلك الأزمة مع حلول النصف الثاني من عام 2007 ، حيث توقف عدد كبير من المقترضين عن سداد الأقساط المالية المستحقة عليهم. مما ترتب عليه تحميلهم أعباء إضافية نتيجة لهذا التأخير وفقا لسياسة سعر الفائدة المركبة. وقد زاد هذا الأمر من الطين بلة ، فزاد من تعثر أصحاب القروض المتعثرين أصلا ، وما ترتب على ذلك من فقدان الآلاف لمنازلهم المرهونة للمؤسسات المالية المقرضة.
أما فقاعة بيع الديون فجاءت من خلال " توريق " أو " تسنيد " تلك الديون العقارية وذلك بتجميع الديون العقارية الأمريكية وتحويلها إلى سندات وتسويقها من خلال الأسواق المالية العالمية. وقد نتج عن عمليات التوريق زيادة في معدلات عدم الوفاء بالديون لرداءة العديد من تلك الديون ، مما أدى إلى انخفاض قيمة هذه السندات المدعمة بالأصول العقارية في السوق الأمريكية بأكثر من 70 في المائة .
أما الفقاعة الثالثة وهى المقامرة فقد جاءت من خلال تأمين حاملي السندات العقارية على أصل تلك السندات وعوائدها لدى شركات التأمين ، وقد انعكس تعثر عملاء الديون العقارية ، وكذلك رداءة سندات تلك الديون بصورة مباشرة على شركات التأمين من خلال مطالبة حاملي تلك السندات شركات التأمين بتغطية خسائرهم . وكان من نتيجة ذلك أن تكبدت أكبر مؤسستين للرهن العقاري في الولايات المتحدة وهما فاني ماي وفريدي ماك خسائر بالغة حتى أوشكا على الإفلاس ولم ينقذهما إلى تأميم الحكومة الأمريكية لهما.
كما ظهرت المقامرة جلية في هذه الأزمة من خلال المشتقات المالية التي تعتبر بحق سلاح الدمار المالي وتقوم على الاتجار في المخاطر ، وتحقيق ربح لطرف على حساب خسائر مقابلة للطرف الآخر. ولا يوجد فيها تسليم ولا تسلم ولا قبض للثمن بل هو تسوية لفروق الأسعار يربحها الرابحون ويخسرها الخاسرون.
ردة رأسمالية
وقد كشفت تلك الأزمة عن أن الأنظمة الغربية يقولون ، ما لا يفعلون ويرضون لأنفسهم ما يحقق مصالحهم ، ويريدون من غيرهم أن يكون حقل تجارب لنظرياتهم. ففي الوقت الذي يتغنون فيه بالحرية الاقتصادية باسم النظام الاقتصاد الحر أو نظام اقتصاد السوق الذي اتخذ من (الدولة تحكم ولا تملك) شعارا له ، ويدفعون العديد من الدول الإسلامية دفعا لتطبيقه ، من خلال سياسة العصا حينا والجزرة حينا آخر التي فرضها صندوق النقد الدولي بهيمنة من أكبر اقتصاد عالمي وهو الاقتصاد الأمريكي. نجد أنهم قد شمروا سواعد الدولة للتدخل الحكومي، فعادت الدول الغربية - التي طالما تغنت بجنة الخصخصة
المطلقة - لتتملك من جديد الشركات والأصول للحيلولة دون انهيار نظامهم الرأسمالي النفعي الذي لا يهتم إلا بنفسه وأوشك أن يقضي على نفسه.
وقد صرح وزير الخزانة الأميركية هنري بولسون أن التدخل غير المسبوق والشامل للحكومة يعتبر الوسيلة الوحيدة للحيلولة دون انهيار الاقتصاد الأميركي بشكل أكبر، وتعليقا على التدخلات الحكومية قال رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي بين بيرنانك إنها ضرورية لضمان ألا تؤدي الديون المعدومة إلى انهيار النظام المالي والاقتصاد. وفي هذا الإطار أقر مجلس النواب الأمريكي ما سمي بخطة الإنقاذ المالي بقيمة 700 مليار دولار. كما أقرت دول الاتحاد الأوربي خطة للإنقاذ قيمتها 2.2 تريليون يورو.
وقد تنبأ الاقتصادي الأمريكي الكبير جوزيف ستيغلتز بنتيجة خطة الإنقاذ الأمريكية قائلا : إن خطة الإنقاذ المالي الأميركية لن تتمكن من إعادة الاستقرار تماما للاقتصاد. كما صرح وزير المالية الألماني بير شتاينبروك أن الولايات المتحدة ستفقد مكانتها كقوة عظمى في النظام المالي العالمي.
ما أشبه الليلة بالبارحة!
إن كل هذه الخطوات تبرز أن التاريخ يعيد نفسه فقد نشأت المدرسة الكلاسيكية التي يسير على نهجها نظام اقتصاد السوق أو النظام الاقتصادي الحر باعتباره وريثا أو امتدادا للنظام الرأسمالي على يد عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث في القرن التاسع عشر الذي نظر للنظام الرأسمالي في كتابه ( ثروة الأمم )، وأكد على الحرية الاقتصادية (دعه يعمل دعه يمر) ، وعارض تدخل الدولة في الاقتصاد عملا بفكرة اليد الخفية التي رأي من خلالها أن البحث عن المصلحة الخاصة يحقق المصلحة العامة تلقائيا.
ومع ظهور أزمة الكساد العالمي العظيم (1929-1933) كشفت هذه الأزمة عن عجز المدرسة الكلاسيكية ، وفي الوقت نفسه برز على السطح الفكر الكينزى من خلال كتاب جون ماينارد كينز (1936) الذي دحض فيه النظرية الكلاسيكية وأثبت خرافة اليد الخفية ، ودحض الإدعاء بأن الأسواق تتمتع بالقدرة على إصلاح عدم توازنها، ورأى أن أحوال الكساد والتضخم تحتاج إلى تدخل مباشر من قبل الدولة لإصلاحها، وكانت الدعوة لتدخل الدولة قوية خاصة بعد تعطل قوى الإنتاج وخروج ما يزيد على ربع القوى العاملة الصناعية إلى البطالة. وبالفعل استخدمت الدول الغربية سياسة الإدارة الاقتصادية - في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية - في إعادة البناء الاقتصادي وفي التخطيط والنمو المستقبلي. وتمكنت النظرية الكينزية من تحقيق الازدهار الاقتصادي في الخمسينيات والستينيات حيث أقدمت الدول الغربية على تأميم بعض الصناعات والأنشطة الهامة بالنسبة للاقتصاد ككل مثل الحديد والصلب والكهرباء والسكك الحديدية، كما أصبحت المشروعات الخاصة خاضعة لتوجيه الدولة بشكل عام، وانتصرت في تلك الفترة المدرسة الكينزية على غيرها من المدارس الاقتصادية.
ولكن في السبعينات والثمانينات والتسعينات خاصة مع انهيار الشيوعية وبزوغ القطب الواحد حدث ارتداد فكري بالنسبة لدور الدولة حيث اتجهت نحو خصخصة المشروعات العامة وإعطاء المزيد من الحرية في التصرفات مرة أخرى للمشروعات الخاصة وتقلص وسائل الرقابة عليها. ومع أزمة الرهن العقاري عززت الدولة من دورها مرة أخرى ولجأت إلى شراء مؤسسات خاصة منعا لانهيارها واستخدمت السياسة النقدية والمالية للحيلولة دون انهيار النظام المالي العالمي. وطالب المسئولين بصرامة للرقابة على الأسواق المالية ، وكذلك على الإدارة التي ضخمت رواتبها ومكافآتها، على حساب خسائر مؤسساتها.
وكل هذا يؤكد أن الحرية الاقتصادية هى حرية نسبية ولا يوجد شئ اسمه حرية اقتصادية مطلقة ، فالكون ليس آلة حركها الله ثم تركها تدور بدون تدخل كما ترى المدرسة الغربية ، ولا يمكن أن تغل يد الدولة، وقد شهد بذلك شاهد من أهلها وهو الرئيس الفرنسي ساركوزي الذي وجه سهام انتقاداته للنظام الرأسمالي قائلا :"إن فكرة وجود أسواق بصلاحيات مطلقة دون قيود، ودون تدخل الحكومات هي فكرة مجنونة.. فكرة ان الأسواق دائما على حق هي فكرة مجنونة". وللأسف رغم كل هذا نجد من بني جلدتنا من يقول إن النظام الرأسمالي سيصحح نفسه. والواقع يكذب ذلك فالنظام الرأسمالي أصبح متصدعا ، وواقع حال خطط إنقاذه كعملية نقل دم لمريض يعانى من نزيف داخلي. والتصحيح ليس من النظام الرأسمالي بل هو بعيدا عن فلسفة ذلك النظام ، وهذا واضح جليا من خلال تدخل الحكومات وتأميمها للعديد من المؤسسات وضخها للسيولة بمئات المليارات ، وتخفيضها لسعر الفائدة ، وضمانها لودائع المدخرين في البنوك، والتقليل قدر الإمكان من وسائل المقامرات في أسواق المال.
الوقاية خير من العلاج
وكل هذا يبرز قيمة النظام الاقتصادي الإسلامي الذي حرم أسباب ذلك الطاعون المالي قبل أن يولد، فهو ينظر للفرد والجماعة معا ولا ينتظر وقوع الأزمات حتى تتدخل الحكومات بل يقي أصلا من وقوع الأزمات ، فهو يحترم الملكية الفردية ولا يكبتها - كما في النظام الاشتراكي- ويؤهلها لتنمو في حضن القيم الإيمانية فلا غش ولا تدليس ولا احتكار ولا ربا ولا مقامرة ولا غرر ولا غبن ولا استغلال كما هو عليه نظام اقتصاد السوق ، وهو في الوقت نفسه لا يهمل دور الدولة كشريك للتنمية مع القطاع الخاص من خلال اضطلاعها بمشروعات المنافع العامة التي تقوم عليها حياة الناس من خلال أفضل استخدام للموارد المائية والرعوية ومصادر الطاقة والثروة المعدنية، فالناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار.
إنني على يقين أن عهد الهيمنة الاقتصادية الأمريكية أوشك على الانتهاء ، فهذا من سنن الله الكونية وصدق الله العظيم إذ يقول : "ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" الأعراف/34 .. فهل المسلمون أصحاب الرسالة والمنهج الشامل الصالح لإنقاذ البشرية جمعاء على مستوى الحدث والجاهزية؟! .. هذا ما أتمناه لأمتي خير أمة أخرجت للناس - وإن كان الواقع لا يعكس ذلك- وما ذلك على الله بعزيز! .
الكاتب : editor
التاريخ : 15/01/2009
عدد مرات الاطلاع : 387
رجوع