Flash movie.
 
 
قاطعوهم ما استطعتم إلى ذلك سبيلا

 

قاطعوهم ما استطعتم إلى ذلك سبيلا
شهدت الأيام القليلة الماضية صراع القمم بين الزعماء العرب لإجهاض قمة قطر ، وأصبح دماء أهل غزة سلعة تم إدراجها على مؤتمر القمة الاقتصادي بالكويت حتى وصل الأمر بأمير قطر إلى أن قال حسبي الله ونعم الوكيل. والواقع كشف لنا عن صمت أشد من صمت القبور وتواطؤ فج فاق التصور وبلا حدود،حتى وجدنا لغة عربية رسمية حديثة تجمع بين المتناقضات فالجبن أصبح يسمى حكمة، والخيانة أصبحت تسمى أمانة، والخضوع والركون أصبح يسمى شجاعة وهلم جرا . ولا يملك الحليم فى ظل هذه الأجواء إلا أن يكون حيرانا.

قاطعوهم ما استطعتم إلى ذلك سبيلا



د. أشرف محمد دوابه – المصريون – بتاريخ : 16 – 1 - 2009

شهدت الأيام القليلة الماضية صراع القمم بين الزعماء العرب لإجهاض قمة قطر ، وأصبح دماء أهل غزة سلعة تم إدراجها على مؤتمر القمة الاقتصادي بالكويت حتى وصل الأمر بأمير قطر إلى أن قال حسبي الله ونعم الوكيل. والواقع كشف لنا عن صمت أشد من صمت القبور وتواطؤ فج فاق التصور وبلا حدود،حتى وجدنا لغة عربية رسمية حديثة تجمع بين المتناقضات فالجبن أصبح يسمى حكمة، والخيانة أصبحت تسمى أمانة، والخضوع والركون أصبح يسمى شجاعة وهلم جرا . ولا يملك الحليم فى ظل هذه الأجواء إلا أن يكون حيرانا.
ورغم ذلك فمازلنا نعول على الشعوب من خلال دورهم الإيجابي في نصرة أهل غزة بالجهاد المالي والدعاء واستخدام سلاح المقاطعة للسلع الصهيونية والأمريكية. وهذا يمثل أضعف الإيمان والحد الأدنى المطلوب للمقاومة.
والمقاطعة الاقتصادية في حقيقتها سلاح فعَّال ومهم، فأمريكا تناصر دولة الكيان الصهيوني بالباطل مستخدمة في ذلك المال الأمريكي والسلاح الأمريكي والفيتو الأمريكي، وكل قرش ندفعه في شراء سلعة أمريكية وصهيونية يتحول إلى صواريخ وقذائف مدفعية ورصاص يطلقها العدو المحتل في صدور إخواننا في فلسطين .
والمقاطعة الاقتصادية ليست بدعا فقد عرفها وطبقها المشركون في مكة على بني هاشم وبني المطلب حتي يسلموا إليهم رسول الله  للقتل ، وامتنعوا عن البيع لهم أو الابتياع منهم، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، حتي بلغهم الجهد والتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود .
كما طبقها ثمامة بن آثال الحنفي  بعد إسلامه علي مشركي مكة ، فقد خرج معتمرا بعد إسلامه ، فلما قدم مكة قالوا : أصبوت يا ثمامة ؟ ، فقال : لا ، ولكني اتبعت خير الدين ، دين محمد ، ولا والله لاتصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله  ، ثم خرج إلى اليمامة ، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا ، فكتبوا إلى رسول الله  : إنك تأمر بصلة الرحم ، وإنك قد قطعت أرحامنا ، وقد قتلت الآباء بالسيف ، والأبناء بالجوع ، فكتب رسول الله  أن يخلي بينهم وبين الحمل .
وفي القرن الماضي قاطع الزعيم الهندي غاندي العادات والمنتجات البريطانية ، وحمل الهنود علي ذلك ، حتي أعلنت بريطانيا سحب آخر جندي إنجليزي من الهند سنة 1947م . كما قاطعت مصر المنتجات البريطانية بعد أحداث ثورة 1919م ، وعقب معاهدة 1936م حتي تم إلغاؤها عام 1951م . وفي حرب أكتوبر 1973م حققت المقاطعة الاقتصادية العربية من خلال سلاح البترول نصرا فريدا ، حتي قال الملك فيصل قولته الشهيرة لكسينجر وزير الخارجية الأمريكي الذي جاء يساومه حينذاك : " إننا علي استعداد أن نعيش بالتمر والماء وفي الخيام على أن لانفرط في حقوقنا ". وفي أيامنا هذه مازلنا نجد فرنسا تقاطع ليل نهار ليس البضائع الأمريكية فحسب، بل اللغة الإنجليزية ، والأفلام الأمريكية ، والوجبات الأمريكية . بل إن أمريكا نفسها طبقت سلاح المقاطعة ما بين عامي 1993- 1996م ستين مرة ضد 35 بلداً ومازالت تطبقه، وإن استخدمته بشكل مقلوب ووحشي من خلال حصارها للدول والشعوب غير الموالية لها من كوبا إلى إيران مرورا بليبيا وكوريا الشمالية والسودان والعراق الذي فرضت عليه مقاطعة شاملة منذ أغسطس عام 1990م وحتى عدوانها عليه واحتلاله وإسقاط نظام صدام حسين في عام 2003م. بل إن إسرائيل نفسها طبقت سلاح المقاطعة على السلع البلجيكية في عام 2003م وطلبت من يهود العالم عدم شراء هذه السلع ردا على قرار المحكمة العليا البلجيكية بإمكانية محاكمة أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق كمجرم حرب ، وقد أدت هذه المقاطعة إلى تراجع السلطات البلجيكية عن موقفها بشأن هذه المحاكمة. بل إن المقاطعة طبقها الصهاينة بحصارهم لأهل غزة عامين كاملين قبل إعلان الحرب عليهم .
فلا قيمة لما يردده الواهنون والمتخاذلون والمنهزمون من عدم جدوى المقاطعة ، فمالا يدرك كله لا يترك كله. إن هؤلاء لا يريدون لهذه الأمة سوي أن تظل رضيعة طوال حياتها للبن الأمريكي والصهيوني ، ولا يبغون لها الفطام حتى تبقى أسيرة للهيمنة الأمريكية اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وعسكريا باسم العولمة .
لقد أفتى العديد من علماء المسلمين بحرمة شراء البضائع الصهيونية والأمريكية وفي مقدمتهم الدكتور يوسف القرضاوي الذي اعتبر ذلك العمل بمثابة كبيرة من الكبائر ، يبوء فاعله بالوزر عند الله والخزي عند الناس ، كما اعتبر الدكتور نصر فريد واصل – مفتي مصر السابق – المتاجرة في هذه السلع نوعا من مساندة المعتدي يحرم فعله . والدراسة العلمية المتأنية لجدوى المقاطعة الاقتصادية فضلا عن البعد الشرعي تبين أن هذه المقاطعة فريضة شرعية وضرورة اقتصادية لما يلي :
أولا : المقاطعة نكاية بالعدو الصهيوني : بالرغم من ضعف جهاز المقاطعة الرسمي من خلال جامعة الدول العربية للسلع الصهيونية إلا أن الخسائر التي تكبدتها إسرائيل بسبب هذه المقاطعة أخذت في التراكم بمرور الوقت حتى بلغ إجمالي الخسائر للاقتصاد الإسرائيلي 90 مليار دولار منذ عام 1945م حتى عام 1999م وفقا لبيانات المكتب الرئيسي للمقاطعة العربية في دمشق، وهو ما يعني أن المقاطعة ضيعت على الاقتصاد الإسرائيلي فرص التقدم والازدهار بما يعادل هذا المبلغ.
إن المقاطعة الاقتصادية تمثل جنبا إلى جنب مع جهاد أهل غزة دعما لهم ، ونزيفا مستمرا لاقتصاد عدوهم ، فإن كان أهل غزة يألمون فإن عدوهم وعدونا الصهيوني يألم كما يألمون : إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لايرجون  (النساء : 104) ، فرغم الدماء الذكية المسالة فإن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة هجرت مليون صهيوني ، وتكلف الكيان الصهيوني نحو 100 مليون شيكل يوميا ( 27 مليون دولار)، في ظل اقتصاد صهيوني يعاني من ركود وانكماش، وفي حال استمرت العمليات الحربية في غزة ربما يواجه الاقتصاد الصهيوني عجزا في الميزانية يصل إلى 5.5% من الناتج القومي، قد يؤدي إلى عجز ربما يبلغ 35 مليار شيكل (حوالي 6.8 مليار دولار)، وهو ما يهدد مستوى الاعتمادات والأرصدة، ويصل بالحكومة الصهيونية المقبلة إلى أن تقلل من ميزانيات الأعوام المقبلة 2009 و2010 و2011، وتخفيض ميزانيات الوزارات الاجتماعية.
ثانيا : المقاطعة عامل ضغط على الحكومة الأمريكية : الولايات المتحدة دولة تحركها المصالح ، والمطلع على آليات العمل السياسي الأمريكي بها يجد أنها لا يحكمها السياسيون بقدر ما يحكمها رجال المال والأعمال، فالسياسيون وأعضاء مجلس الشيوخ والنواب في غالبيتهم يمثلون الشركات الكبرى الأمريكية، والإضرار بمصالح هذه الشركات وأرباحها هو إضرار مباشر باللاعبين الحقيقيين خلف الستار القادرين على تحويل مسار السياسة الأمريكية بالفعل لا بالقول ، وهو ضرب على العصب الحساس العاري .
إن مقاطعة السلع والمنتجات الأمريكية سيؤدي إلى كساد تلك المنتجات وتكدسها في مستودعات الشركات ، ومن ثم انخفاض دخل تلك الشركات ، واضطرارها إلى تسريح الآلاف من العمال ، وبالتالي انتشار البطالة ، مما يشكل عامل ضغط على الحكومة الأمريكية لتعديل الميل في سياستها الخارجية ، والتي وصفها جون ديوك انطوني رئيس المجلس القومي الأمريكي في نهاية تقريره في نوفمبر من العام 2001م حول المقاطعة والعلاقات العربية الأمريكية بقوله : " إن حكومة الولايات المتحدة كانت غير إنسانية وغير صادقة " .
إن المقاطعة للسلع الأمريكية تمثل في واقع الأمر عامل ضغط على السياسة الأمريكية ، وسيجعلها تنظر في سياستها مرات ومرات ، وسيصل بها في نهاية المطاف إلى تغيير سياستها وفقا لمصالحها المادية في بلد النفوذ فيه لرأس المال ، وهذا ما أكده البروفيسور الفرنسي المسلم روجيه جارودي في قوله : " إن نقطة ضعف الولايات المتحدة هى الاقتصاد وهى مهددة بانفجار رأسمالي أسوأ مما حدث عام 1929م ، مما دفع بول ماري دولاجورس ليطلق عليها لقب الإمبراطورية الأخيرة ، فهناك 33 مليون أمريكي يعيشون تحت خط الفقر ، وهناك طفلا من ثمانية أطفال لا يأكل ما يكفي لسد جوعه ... إن هذه المعادلة تؤكد أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتحمل أبدًا خسارة مليار أو مليارين من زبائنها؛ إذ سيؤدي ذلك إلى الانهيار الفعلي للاقتصاد الأمريكي".
وفي دراسة أصدرتها لجنة التجارة الدولية الأمريكية حول المقاطعة العربية للكيان الصهيوني بينت أنه في العام 1993م وحده خسرت الشركات الأمريكية 400 مليون دولار بسبب ضياع الفرص ، وخسرت أيضا 140 مليون دولار بسبب تقيدها بأحكام المقاطعة وهذا ما قاد الممثل التجاري للولايات المتحدة الأمريكية آنذاك ميكي كانتور لأن يصرح بأن : " ما كشفته الدراسة يؤكد الأهمية الحاسمة لإنهاء مقاطعة الجامعة العربية لإسرائيل بجميع أشكالها وأن الإدارة الأمريكية ستواصل العمل لتفكيك ما تبقى من مقاطعة " .
وبالنظر إلى التطور في الواردات والصادرات العربية من وإلى الولايات نجد أنها تشهد تزايدا . وبالرجوع إلى الأرقام المطلقة للتبادل التجاري بين العرب والولايات المتحدة نجد أن النتيجة الأولية لهذا التبادل هي فائض لصالح الدول العربية مجتمعة، ولكن هذا لا يعني أن هذا الفائض يصب في موازين مدفوعات جميع الدول العربية، حيث تتفوق الولايات المتحدة على الدول العربية في بندين آخرين من بنود التبادل التجاري وهما تجارة الخدمات وتجارة السلاح ، ويكفي أن نشير هنا إلى أن مشتريات السلاح من الولايات المتحدة لعشر دول عربية
( مصر – السعودية – الأردن – الكويت – الإمارات – البحرين – لبنان – عمان – قطر – اليمن ) خلال الفترة من عام 1991 حتى عام 2000م قد وصل إلى حوالي 5.5 مليار دولار ، أي أن واردات العرب من السلاح والخدمات الأمريكية تمتص هذا الفائض التجاري ، وللأسف الشديد فقد أكل الصدأ أسلحة العرب والمسلمين في الوقت نفسه الذي لا يجد المجاهدين في غزة أي دعم بالسلاح . بل الحصار وخذلان القريب والبعيد!.
وبالنظر إلى طبيعة الواردات والصادرات العربية مع الولايات المتحدة يتبين أن الجانب الأعظم من الواردات العربية من الولايات المتحدة يتمثل في العدد والآلات ووسائل النقل المختلفة حيث تستحوذ على 60% من إجمالي هذه الواردات ، ويليها في الأهمية السلع الغذائية ، مثل القمح واللحوم التي تمثل حوالي 15%، ويأتي في المرتبة الأخيرة المشروبات الغازية والتبغ ومنتجاته.
وإذا دققنا في هذه النوعيات من السلع نجد أن هذه الواردات مهما كان حجم استيرادها من الولايات المتحدة ، فإن أهم ما يميزها أن بعضها له مصادر بديلة مثل العدد والآلات والقمح واللحوم ، فهناك دول عديدة يمكن استبدالها محل الولايات المتحدة ، أما البعض الآخر مثل المياه الغازية والتبغ فإنه إلى جانب وجود مصادر بديلة لها فهي سلع يمكن الاستغناء عنها .
أما بالنسبة للصادرات فيستحوذ النفط والمنتجات البترولية على نصيب الأسد من الصادرات العربية إلى الولايات المتحدة حيث يمثل حوالي 86% من إجمالي هذه الصادرات العربية ، في حين تمثل السلع الصناعية 10% فقط ، وهو ما يعني أن البترول لب الصادرات العربية إلى الولايات المتحدة ، وتصل أهميته في بعض الأحيان إلى حوالي 95% أو 100% من صادرات بعض الدول العربية للولايات المتحدة ، وذلك مثل السعودية والكويت والجزائر والعراق .
وهذه الدول ستكون هي لب قضية سلاح النفط العربي ؛ لأنها ستكون ضمن المتضررين من وقف صادراتها إلى الولايات المتحدة ، ولكن يجب على الدول العربية والإسلامية بصفة عامة أن تنظر نظرة واقعية وشرعية لاستخدام البترول سلاحا للمقاطعة ، حيث إن استخدام هذا السلاح سيؤدي إلى استنـزاف للاحتياطي الأمريكي من البترول ، وارتفاع سعر البترول نتيجة لانخفاض عرضه خاصة في ظل انخفاضه أصلا نتيجة للأزمة المالية العالمية، فضلا عن ارتفاع أسعار السلع المرتبطة به ، مما يشكل ضغطا كبيرا لتغيير السياسة الأمريكية الجائرة تجاه القضية الفلسطينية ، وبخاصة وأن الولايات المتحدة تمثل أكبر مستورد للنفط في العالم حسب البيانات الأمريكية ، حيث تبلغ واردتها البترولية نحو 64% من إجمالي واردات البترول العالمية، كما أن مخزونها من الاحتياطي الاستراتيجي من البترول البالغ (560) مليون برميل لا يكفيها سوى لمدة ثلاثة شهور على أحسن تقدير .
كما أن برميل البترول العربي الذي يدير آلات الكيان الصهيوني الحربية والمدنية ليس بأغلى من الدم المسلم الذكي الذي يراق في فلسطين ليلا ونهارا ، حتي لو استخدمت هذه الدول هذه المقاطعة بالتدريج ، وذلك بتخفيضها لحصتها المنتجة من البترول تدريجيا ، أو وقفه لمدة معينة قابلة للتجديد .
أما نسبة 10% من السلع الصناعية العربية يمكن البحث لها عن أسواق بديلة مثل الأسواق الإفريقية والآسيوية والتبادل البيني العربي والإسلامي حيث تتقارب الأذواق وأنماط الاستهلاك.
وإلى جانب الواردات والصادرات هناك الأموال الأمريكية المستثمرة في الدول العربية والتي هي في الأساس تمثل جزءا لا يكاد يذكر من أموال العرب المستثمرة في الخارج والتي تعدت قيمتها 2400مليار دولار وتستأثر أمريكا بالجزء الأكبر منها ، وقد وفرت هذه الأموال نحو 4 ملايين فرصة عمل بالولايات المتحدة وحدها ، وأولى بهذه الأموال العربية المهاجرة أن تعود إلى موطنها العربي والإسلامي لاستثمارها بما يحقق التنمية للاقتصاديات العربية والإسلامية ، وتشغيل أبناء المسلمين ، بدلا من تدعيمها للاقتصاد الأمريكي ، وتحويلها إلى سلاح يقتل أبناءنا في فلسطين .
ثالثا : المقاطعة وسيلة للتكامل العربي والإسلامي : إن المقاطعة وسيلة بحق لترتيب الأوراق العربية والإسلامية من جديد برفض الهيمنة الأمريكية، والسعي لتحقيق التكامل العربي والإسلامي ، وتحقيق الاكتفاء الذاتي ، والارتباط بسلة عملات بدلا من الدولار ، وتشجيع الصناعة المحلية والقومية ، وبخاصة في ظل انخفاض مستوى التجارة البينية بين الدول العربية والتي لم تتعد نسبتها 11% .
ولا عبرة لما يردده الواهنون من تأثير المقاطعة بالسلب على العمالة ، فالطلب على السلع الصهيونية والأمريكية التي يتم مقاطعتها يكون كفيلا بحفز استثمارات بديلة لتلبية هذا الطلب ، مما يستوعب هذه العمالة ، ويعطي فرصة تاريخية للمستثمرين العرب والمسلمين لتوسيع نشاطهم والسيادة في الأسواق العربية والإسلامية .
كما أن هؤلاء الذين يتباكون على العمالة التي ستخسر وظائفها كما يدعون بسبب سياسة المقاطعة لم يؤلمهم أبدا خروج مئات الآلاف من العمال من وظائفهم بسبب سياسة الخصخصة التي فرضتها الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي على غالبية الدول العربية.
إن هؤلاء الواهنون الذين يحصرون تركيزهم على الأذى الذي يمكن أن تحدثه حملة مقاطعة الشركات الأمريكية بالاقتصاد المحلي بحجة أنّ هذه الشركات تنعش الاقتصاد وتشغل العاطلين عن العمل، وتفيد الشركاء المحليين، وتحضر معها الاستثمارات نسوا أو تناسوا أنّ نظرتهم قصيرة المدى ففي المدى المتوسط والطويل يؤدي انخفاض الطلب الاستهلاكي على منتجات الشركات الأمريكية إلى ارتفاع مقابل للطلب الاستهلاكي على منتجات الشركات المحلية والعربية والإسلامية والعالمية غير الأمريكية، وهذا يعني ارتفاع العائدات والتوظيف والعمالة لدى هذه الشركات لأنّ نجاح حملة المقاطعة ضد الشركات الأمريكية يمثل تحولا إلى سلع بديلة للسلع الأمريكية، لا انخفاضا في مجمل الطلب الاستهلاكي على السلع والخدمات ككل.
فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ الشركات المحلية بالتحديد، ثم العربية والإسلامية، تختلف عن الشركات الأجنبية من ناحية مهمة جدا، وهي أنها لا تعيد أرباحها من مبيعاتها المحلية والعربية والإسلامية إلى أمريكا وإسرائيل، بل تحتفظ أو تعيد استثمار جزء أساسي من هذه الأرباح محليا وعربيا وإسلاميا، وبالتالي تنعش الاقتصاد المحلي أكثر مما تنعشه الشركات الأجنبية لو تحققت لها هذه الفوائض من الربحية، ومن هنا يبدو بوضوح أنّ توجيه الطلب الاستهلاكي يصبح حاجة تنموية وطنية، بالإضافة إلى كونه ضرورة سياسية ملحة لدعم الانتفاضة، فالمقاطعة تعني سوقا أكبر للشركات المحلية.
إن نجاح حملات المقاطعة على المنتجات الأمريكية والصهيونية تحمل معها الخير الكثير للاقتصاديات العربية والإسلامية، لما ينتج عن ذلك من ازدياد في الطلب على منتجات الشركات المحلية والعربية والإسلامية، وما يترتب على ذلك من انخفاض في الواردات، وازدياد في الصادرات العربية والإسلامية البينيّة، وبالتالي ازدياد المدّخرات المحلية والعربية والإسلامية، وانخفاض العجز في الميزان التجاري، وتخفيض الضغط على العملات المحلية مقابل الدولار، فضلا عن زيادة التوظيف الاستثماري والعمالة.
أما الذين يرددون بأن المقاطعة سوف تهدد الأمن القومي العربي لأن الولايات المتحدة سترد على مقاطعة شركاتها أو غيره بمنع تصدير السلاح أو قطع الغيار إلى الدول العربية في حين أن جل اعتماد القوات المسلحة في الدول العربية الآن على السلاح الأمريكي، ثم إننا إذا قاطعنا البضائع الأمريكية فإن الولايات المتحدة سوف تحجب عنا السياح الأمريكيين والأوروبيين الأمر الذي سيؤدي إلى ضرب قطاع السياحة فضلا عن إيقاف ما تقدمه من معونات لبعض الدول العربية ، ومن ثم تهديد الاقتصاد القومي بعد الأمن القومي.
وهذا الكلام لا حجة له ولا منطق يؤيده فالقول بأن المقاطعة ستهدد الأمن القومي لأنها ستدفع واشنطن إلى وقف تزويدنا بالسلاح مردود عليه، فالمقاطعة في الأساس مقاطعة شعبية كما أن هذا القرار لا تستطيعه الولايات المتحدة لأن مبيعات السلاح للمنطقة تحقق لشركاتها العملاقة دخولا هائلة لا تستطيع أن تستغني عنها بسهولة، وحتى أنه على أسوأ الفروض فإن الولايات المتحدة ليست هي المصدر الوحيد للسلاح فحجبه عنا لا يعني نهاية العالم بالنسبة لنا فهناك أوروبا وكوريا الشمالية والصين.
أما مسألة ضرب السياحة فالسياح الأمريكيون ليسوا أهم السياح الذين يفدون إلى الدول العربية والإسلامية، فضلا عن أن الحكومة الأمريكية لا تستطيع أن تمنع السياح من القدوم إلينا و إنما قد تحذرهم فقط، ثم إنه ليس بوسعها ولا في سلطانها أن تمنع السياح الأوروبيين أو اليابانيين من زيارة مصر.
وأما فيما يتعلق بإيقاف المعونات، فإننا يجب أن نعي أن هذه المعونات لن تستمر للأبد، وأنها لا تعطى دون مقابل، وقد قامت الولايات المتحدة بتخفيض المعونات الاقتصادية لمصر بواقع 5% سنويا (أي بحوالي 40 مليون دولار) اعتبارا من موازنة عام 1999م، ، كما يجب أن لا نغفل شروط هذه المعونات التي تجعلها هباء منثورا ، فلسان حال أمريكا حين تمنحها يقول " بضاعتنا ردت إلينا " ، حيث تصر على منحها في صورة سلع وأسلحة أمريكية تنقل على سفن أمريكية وتستعين مشروعات هذه المعونات بخبراء أمريكيين ، وهو الأمر الذي جعل مصر تصارح الولايات المتحدة - من قبل- بأن هذه المعونات في الحقيقة معونات للولايات المتحدة وليست لمصر .
لقد آن الأوان لأن نخلع من أنفسنا هذا الاستعباد، ونعتز بكرامتنا وديننا، ونتوكل على ربنا، ونعتمد على سواعدنا ومواردنا، ونضع نصب أعيننا قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب  : " لقد أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله "، ونؤمن إيمانا راسخا بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ، وأنه سبحانه وتعالى أكبر من أمريكا ، وليكن لنا عبرة في قوله  :  يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم  ( التوبة : 28) ، حيث رأي بعض مسلمي مكة الذين يعيشون على التجارة في موسم الحج أن منع المشركين من الحج إلى بيت الله الحرام سوف يؤدي إلى كساد تجارتهم وانهيارها ، وجاء الوعد من الله  ليريح بالهم ويبين لهم أن أمر الرزق بيد الله تعالى ، وإن كانوا يخافون الفقر فسوف يغنيهم الرزاق من فضله .
رابعا : المقاطعة ترسخ الانتماء الوطني والإسلامي : إن المقاطعة تؤدى إلى ترسيخ الانتماء الوطني والإسلامي بخلقها جيلا من النشء على وعى بالأحداث الجارية في الأراضي المحتلة ، وبالتالي تأهيلهم في المستقبل لتحرير فلسطين ، وتنفيذ بشارة الرسول الكريم " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود " (مسلم : 4/2239)
وأخيرا فإنه يبقي في النهاية أهمية اتحاد الشعوب العربية والإسلامية مع المؤسسات الأهلية والرسمية جنبا إلى جنب لتفعيل المقاطعة لتكون مخططة ومنظمة وهادفة وليكن شعارنا جميعا : "قاطعوا البضائع الصهيونية والأمريكية ما استطعتم إلى ذلك سبيلا"، ولنمارسه عمليا حتى يكون ثقافة وفكرا وسلوكا وقيما وعادات تنعكس في مأكلنا وفي مشربنا وفي ملبسنا وفيما نقرأ وفيما نشاهد ونسمع ويصبح شيئا مألوفا ولازما من لوازم حياتنا اليومية, تزول معه من يومياتنا الأسماء والأشياء التي تتبع أو يفرزها العدو الصهيوأمريكي.


الكاتب : editor
التاريخ : 17/01/2009
عدد مرات الاطلاع : 186

رجوع
   
Powered By Datacircle الدكــتور أشرف دوابـه © جميع الحقوق محفوظة