المشاركة في المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق
د. أشرف محمد دوابه
اهتم المنظرون لتجربة المصرفية الإسلامية بالمشاركة كصيغة أساسية لتعبئة واستخدام الموارد بالمصارف الإسلامية. ويرجع هذا الاهتمام إلى كون المشاركة أكثر قدرة علي تجميع الأرصدة النقدية القابلة للاستثمار ، وأكثر قدرة علي توزيع المتاح من الموارد النقدية علي أفضل الاستخدامات لأغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وأنها تسهم بشكل مباشر في عدالة توزيع الدخل القومي.
ومن خلال التعرض للإطار النظري والعملي للمشاركة في التجربة المصرفية الإسلامية نجد أن البدايات الأولى للتنظير لفكرة المصرفية الإسلامية جعلت من عقد المشاركة في الفكر الإسلامي الأساس الشرعي الملائم الذي يمكن الاعتماد عليه لإقامة هذه المصارف ، ولتنظيم نشاطها سواء في مجال تعبئة الموارد أو في مجال توظيفها.
فهذه الصيغة تبرز كون المصرف الإسلامي ليس مجرد ممول مالي للمستثمرين تربطه بهم علاقة الدائن بالمدين كما هو الحال في البنوك التقليدية ، ولكن شريك لهم في العمليات الاستثمارية بكل ما يتطلبه مفهوم المشاركة من مقومات وما يترتب عليه من نتائج سواء من حيث القيام بدراسة واختيار العملية الاستثمارية ، أو القيام بتنفيذها ومتابعتها ، أو القيام بتحمل المخاطر التي تتعرض لها، والنتائج التي تترتب عليها من ربح أو خسارة.
ويكشف الواقع العملي للمشاركة في المصارف الإسلامية عن أن المشاركة لم تحظ إلا بنسبة هامشية وضئيلة من جملة استثمارات المصارف الإسلامية حيث تتراوح نسبتها من 2– 4% في معظم المصارف الإسلامية، باستثناء بنوك السودان التي تتعدى في بعضها نسبة 60%.
وترجع العديد من المصارف الإسلامية تدني هذه النسب إلا خراب الذمم في زماننا المعاصر، وأن تمويل العميل من خلال المشاركة يحمل البنك الإسلامي مخاطر لا قبل له بها، مما يؤدى إلى ضياع الأموال. كما العملاء أنفسهم لا يرغبون في التعامل بالمشاركة حيث أنها تكشف السرية المحيطة بأعمالهم، وما يحققونه من أرباح فعلية، كما أن هؤلاء العملاء لا يلتزمون بتقديم ما تقتضيه المشاركة من تقديم حسابات دورية ومتابعة ميدانية.
وفي رأينا أن القضية يجب أن لا تعلق على خراب الذمم فما من مجتمع إلا وفيه أمناء وغير أمناء حتى أن مجتمع الصحابة لم يخل من ذلك. وتبقى أهمية المصرف الإسلامي في الأخذ بالأسباب من خلال حسن اختيار العميل بصورة موضوعية بعيدة عن الهوى. كما أن العميل يأتي للبنك وهو في حقيقته يذعن -غالبا -لكل شروطه. ورغم ذلك فقد وجدنا - للأسف الشديد - بعض البنوك الإسلامية التي طبقت المشاركة افتقدت إلى التطبيق الصحيح لها حتى تحولت المشاركة إلى حساب جارى مدين. فالعميل لا يلتزم فيها بدفع حصته بل يمول البنك العميل تمويلا تقليديا كما في البنوك التقليدية ويغمض عينه عن متابعة العميل واستخدامه للتمويل ثم يسوى المشاركة في نهاية المدة المقدرة بنظام الحساب الجاري المدين اعتماد على نظام النمر ودون أي اعتبار لنتائج المشاركة الفعلية. بل وصل الأمر إلى اكتفاء العميل بدفع فوائد أو ما يسمى عوائد المشاركة في نهاية مدتها مع بقاء أصل المشاركة وتدويرها دفتريا كمشاركة جديدة.. كل ذلك سعيا وراء تحقيق أرقام معينة في التوظيف، وبعد ذلك تأتي المرحلة الأخيرة من خلال عجز العميل عن سداد أصل المشاركة وعوائدها ومن ثم ضياع الأموال.
إن تجربة المصرفية الإسلامية في حاجة إلى الاهتمام بهذه الصيغة بصورة تغلب على استثمارات المصارف الإسلامية، مع مراعاة الجوانب الشرعية والاقتصادية في التطبيق. ومن الضوابط التطبيقية في ذلك أن يتم التركيز في منح التمويل بالمشاركة على جدارة المشروع، وسمعة صاحبه وأمانته، والقدرة على إدارته، وربط صرف التمويل باحتياجات المشروع الفعلية من خلال ما ورد بدراسة الجدوى والزيارة الميدانية من البنك، وللبنك حق الإدارة وقد يفوض شريكه في ذلك مع إحسان المتابعة له. وتبدو هنا أهمية الرقابة الشرعية الفعلية الملازمة للتنفيذ حتى سداد المشاركة.
وبذلك يمكن أن يتحول التنظير للمشاركة إلى واقع عملي تطبقه المصارف الإسلامية، ويحقق ما تصبو إليه من المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلدان الإسلامية.