Flash movie.
 
 
دروس اقتصادية من بيت النبوة

دروس اقتصادية من بيت النبوة

يعاني الاقتصاد العالمي من أزمة اقتصادية طاحنة، ولم تقتصر تلك الأزمة على الحكومات والمؤسسات بل زادت من معاناة الأسر والأفراد، فقد زادت هذه الأزمة من ضيق العيش، وعناء الكسب، وتنامي البطالة والديون. وفي ظل هذه الأزمة تبدو أهمية العودة للإسلام عودا جميلا  صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً  (البقرة/138) لبناء بيوت إسلامية تقوم على الإسلام دنيا ودينا. وقد ظهرت نماذج خالدة لبيوت اقتصادية ناجحة، توفَّرتْ فيها الحياة السعيدة الهادئة، والمعيشة الراضية المرضية .. بيوت بنيت على تقوى الله وطاعته، وبدأت على أسس ومبادئ اقتصادية تحكمها شريعة الإسلام، فعرف كل فرد ما عليه فأداه، وما له فأخذه أو تسامح فيه، وفي مقدمة تلك البيوت بيت النبي الذي نحتفي بذكرى مولده هذه الأيام.

دروس اقتصادية من بيت النبوة


د. أشرف محمد دوابه  - بتاريخ: 2009-03-02 -  صحيفة بر مصر


يعاني الاقتصاد العالمي من أزمة اقتصادية طاحنة، ولم تقتصر تلك الأزمة على الحكومات والمؤسسات بل زادت من معاناة الأسر والأفراد، فقد زادت هذه الأزمة من ضيق العيش، وعناء الكسب، وتنامي البطالة والديون. وفي ظل هذه الأزمة تبدو أهمية العودة للإسلام عودا جميلا  صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً  (البقرة/138) لبناء بيوت إسلامية تقوم على الإسلام دنيا ودينا. وقد ظهرت نماذج خالدة لبيوت اقتصادية ناجحة، توفَّرتْ فيها الحياة السعيدة الهادئة، والمعيشة الراضية المرضية .. بيوت بنيت على تقوى الله وطاعته، وبدأت على أسس ومبادئ اقتصادية تحكمها شريعة الإسلام، فعرف كل فرد ما عليه فأداه، وما له فأخذه أو تسامح فيه، وفي مقدمة تلك البيوت بيت النبي الذي نحتفي بذكرى مولده هذه الأيام.
فقد عرف النبي - صلى الله عليه وسلم- سبيله للزواج لأول مرة وذلك قبل بعثته صلى الله عليه وسلم من خلال زواجه بالسيدة خديجة - رضي الله عنها- ، فقد علمت بصدقه وأمانته وكرم أخلاقه، مما حدا بها أن تستعين به للمتاجرة في مالها، ومن بعدها أبدت رغبتها في الزواج منه صلى الله عليه وسلم، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبا وثروة وعقلا، وفضلته على العديد من سادة قريش ورؤسائها الذين كان يتمنون زواجها، وخطبها النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمسة وعشرين عاما، وسنها إذ ذاك أربعين سنة، وعاش النبي معها ربع قرن حياة سعيدة هنية فرزق منها بالبنين والبنات، ولم تضع حاجزا بين مالها وماله فكانت نعم المعين له في دعوته بمالها وثروتها ونفسها، والزوجة المخلصة التي يلجأ إليها كلما اشتدت نوائب الدهر، والأم الحنون العطوف التى تسعد زوجها وأبنائها، حتى قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم : "آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها وحرم ولد غيرها"(رواه البخاري)، "إني رزقت حبها"(رواه مسلم).
إنه الحب الغزير لخديجة - رضي الله عنها - ، والوفاء المطلق لها، والاعتراف الواضح بفضلها في مؤازرته في أحرج أوقاته، وإعانته على إبلاغ رسالته، والتخفيف من همومه، حتى أنه لم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت - رضي الله عنها- ، وكان يكرم كل من كانت ذات صلة بها إكراما لها.
كما تعكس حياته صلى الله عليه وسلم مع السيدة عائشة - رضي الله عنها- صورة عملية أخرى من صور الحب العظيم. وتكشف السيدة عائشة عن سعادة بيتها ودلالات حب الرسول لها فتقول :" صورت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- قبل أن أصور في رحم أمي، وتزوجني بكرا ولم يتزوج بكرا غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو بين سحرى ونحري، ونزلت براءتي من السماء، وكنت أحب الناس إليه صلى الله عليه وسلم، وكان يصلى وأنا معترضة بين يديه ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري، ولم ينكح امرأة أبواها مهاجرين غيري، وكنت أغتسل أنا وهو من إماء واحد ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه، وقبض الله نفسه وهو بين نحري وسحري، ومات الليلة التي كان يدور على فيها، ودفن في بيتي"(الطبقات الكبرى 8/63-64).
أما بقية نسائه، فكان أيضا يحبهم ويحبونه حبا كبيرا، وخير شاهد على ذلك أنهن جميعا اخترنه لما نزلت آية التخيير وفعلن مثل ما فعلت عائشة. فقد عاشت زوجاته معه عابدات طائعات، يتحملن معه نوائب الدهر، وتبعات الدعوة، وعاشوا عيشة الكفاف التي تسدُّ الحاجة، وتمنع الهلاك، وقد نظرن يومًا إلى فقرهن، وهن زوجات النبي- صلى الله عليه وسلم- قائد الأمة وسيدها، فمالت نفوسهن إلى شيء من نعيم الدنيا وزينتها، فلما علم النبي - صلى الله عليه وسلم- بأمرهن قاطعهنَّ شهرًا؛ حتى أنزل الله فيهن قرآنًا.قال تعالى: يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلاً، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا (الأحزاب/ 28-29) .. فخيرهن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يبقين على حالتهن وجزاؤهن الجنة، أو أن يطَلِّقُهن، "وبدأ بعائشة وقال لها: ما أحب أن تختاري حتى تستأمري أبويك، فكان جوابها على الفور: أفيك استأمر أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وكذلك فعل بكل واحدة من نسائه على انفراد فكان جوابها كجواب عائشة، وهي لا تعلم بما أجابت بها غيرها"(الطبري21/99) .. وبذلك اخترن جميعا الله ورسوله والدار الآخرة، وقبلن شظف العيش والترمل الدائم من بعده طلبا لمرضاته في الدنيا وصحبته في الآخرة.
لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم- نعم الزوج في أهله، فكان يعيش بين أزواجه رجلا ذا قلب مرهف وعاطفة ووجدان، فكان حسن العشرة مع زوجاته ،يقابلهن جميعًا بالوُدٍّ والحب والألفة والرحمة، كثير المسامرة لهن، وقورًا لا يتكلم في غير حاجته، عدلا لا يفضل زوجة على أخرى في النفقة والمعيشة، مُبَشِّرًا لا منفرًا، وما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، وكان متحملا لأخلاقهن وخاصة غيرتهن وكان يقول "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"(رواه الترمذي وابن ماجه).
وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم- لقاح وغنم يتقوت هو وأهله من ألبانها، وكان له عبيد وإماء لا يرتفع عليهم في مأكل و لا ملبس، وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويخدم في مهنة أهله ويقطع اللحم معهن، ويحلب الشاة، ويقمُّ البيت (يجمع قمامته)، ويحمل بضاعته من السوق، وكان فراشه أدما حشوه ليف، وما عاب مضجعا إن فرشوا له اضطجع وإن لم يفرش له اضطجع على الأرض، وكان يركب ما أمكنه مرة فرسا ومرة بعيرا ومرة بغلة شهباء ومرة حمارا ومرة يمشي راجلا حافيا بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة، وكان لا يهوله شيء من أمور الدنيا ويلبس ما وجد فمرة شملة ومرة برد حبرة يمانيا ومرة جبة صوف ما وجد من المباح، وكان يعصب الحجر على بطنه مرة من الجوع، ومرة يأكل ما حضر ولا يرد ما وجد ولا يتورع عن مطعم حلال، وإن وجد تمرا دون خبز أكله، وإن وجد خبز بر أو شعير أكله وإن وجد حلوا أو عسلا أكله، وإن وجد لبنا دون خبز اكتفى به وإن وجد بطيخا أو رطبا أكله، وإن لم يجد طعامًا، قال: إني صائم. وما شبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أيام تباعا خبز بر حتى لقي الله تعالى إيثارا على نفسه لا فقرا ولا بخلا، وكان من دعائه " اللهم اجعل رزق آل بيتي قوتا"(رواه أحمد) ، وكان لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه وفجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه، وكان لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعير ويضع سائر ذلك في سبيل الله، وقبل يوم من وفاته أعتق غلمانه، وتصدق بسبع دنانير كانت عنده، ووهب للمسلمين أسلحته، وفي الليل استعارت عائشة زيت المصباح من جارتها، وكانت درعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من الشعير أخذه لأهله، وقبض صلى الله عليه وسلم في كساء وإزار غليظين.
طبت حيا وميتا يا رسول الله فقد عشت عيشة السعداء، وحققت لأهلك وأمتك في حياتك ومن بعدك حياة تظللها الطيبات والبركات.


الكاتب : editor
التاريخ : 28/02/2009
عدد مرات الاطلاع : 208

رجوع
   
Powered By Datacircle الدكــتور أشرف دوابـه © جميع الحقوق محفوظة