الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية بين الواقع والمأمول
الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية بين الواقع والمأمول
تتسم المصارف الإسلامية عن غيرها بمزايا عديدة، لعل أبرزها هو وجود هيئات الرقابة الشرعية التي تعد أحد الأركان الأساسية في تلك المصارف، وسر إقبال الناس عليها، وتحقيق المصداقية الشرعية في معاملاتها. وبخاصة أن الأساس الذي قامت عليه هذه المصارف هو تقديم البديل الشرعي للمصارف الربوية.
تتسم المصارف الإسلامية عن غيرها بمزايا عديدة، لعل أبرزها هو وجود هيئات الرقابة الشرعية التي تعد أحد الأركان الأساسية في تلك المصارف، وسر إقبال الناس عليها، وتحقيق المصداقية الشرعية في معاملاتها. وبخاصة أن الأساس الذي قامت عليه هذه المصارف هو تقديم البديل الشرعي للمصارف الربوية.
وقد تنوعت صور الرقابة الشرعية في هذه المصارف وتباينت فيما بينها واختلفت هياكلها ومسمياتها، فبعض البنوك اكتفت بمستشار شرعي واحد، وأخرى اعتمدت على عدد من الفقهاء دون أن تتقيد برأي واحد منهم، في حين فضل البعض إنشاء هيئة استشارية تفتي بما يعرض عليها فقط من موضوعات ولا دخل لها بمراجعة الأعمال المنفذة.
وقد نصت هيئة معايير المحاسبة والمراجعة والضوابط للمؤسسات المالية الإسلامية في معيار الضبط للمؤسسات المالية الإسلامية رقم (1) تحت عنوان "تعيين هيئة الرقابة الشرعية وتكوينها وتقريرها" على ما يلي:
أ - هيئة الرقابة الشرعية جهاز مستقل من الفقهاء المتخصصين في فقه المعاملات، ويجوز أن يكون أحد الأعضاء من غير الفقهاء على أن يكون من المتخصصين في مجال المؤسسات المالية الإسلامية، وله إلمام بفقه المعاملات.
ب - يجب أن تكون هيئة الرقابة الشرعية من أعضاء لا يقل عددهم عن ثلاثة، ولهيئة الرقابة الشرعية الاستعانة بمختصين في إدارة الأعمال أو الاقتصاد أو القانون أو المحاسبة وغيرهم.
وفي هذا الإطار استقر العديد من المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية على تكوين هيئة أو لجنة مستقلة تابعة للجمعية العامة للمساهمين أو مجلس الإدارة، للقيام بالإفتاء والرقابة، تتكون من عدد من الفقهاء لا يقل عددهم عن ثلاثة، وتحكم عملهم لائحة تنظم اختصاصات الهيئة، وتصف عملها وتحدد لها مسئولياتها، وتمنحها الصلاحيات والسلطات المطلوبة لأداء مهمتها في التقنين والتدقيق.
وقد عمدت بعض المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية إلى الاهتمام بوجود مراقب شرعي يكون حلقة الوصل بين الإدارة التنفيذية وهيئة الرقابة الشرعية، ويتولى رقابة الأعمال اليومية وتلقي الاستفسارات والتحقق من مطابقة أعمال المؤسسة المالية الإسلامية لأحكام الشريعة الإسلامية حسب الفتاوى الصادرة والقرارات المعتمدة من الهيئة.
مهام الرقابة الشرعية
يمكن تحديد أهم مهام الرقابة الشرعية فيما يلي:
1 - المشاركة في وضع التعليمات واللوائح، ونماذج العقود الشرعية للمعاملات، ومراجعتها وتصحيحها وإقرارها وتطويرها.
2 - الرقابة على أعمال المصرف الإسلامي للتأكد من مطابقة أعماله لأحكام الشريعة الإسلامية.
3 - الفتوى من خلال الرد على الأسئلة والاستفسارات المقدمة لها، سواء أكانت تلك الاستفسارات من العاملين بالمصرف أم المتعاملين معه أم المساهمين أنفسهم عند مناقشة الميزانية أو في الأوقات الأخرى.
4 - تثقيف العاملين بالمصرف الإسلامي من خلال الدورات التدريبية حتى يكونوا مؤهلين شرعيا لإنجاز الأعمال المسندة إليهم.
5 - المساهمة في حل بعض المنازعات بين المصرف الإسلامي والآخرين، سواء كان هذا النزاع بين البنك والمستثمرين أو المساهمين، أو بين البنك والحكومة، أو أحد الشخصيات الاعتبارية العامة، أو إحدى شركات القطاع العام أو الخاص أو الأفراد... إلخ، وذلك من خلال هيئة تحكيم.
6 - الشهادة أمام الجمعية العمومية من خلال تقديم تقرير سنوي لها يعكس مدى مشروعية أعمال المصرف، وما قامت به هيئة الرقابة الشرعية وأساليب متابعتها ورقابتها للنواحي الشرعية، وأهم ملاحظاتها، ومدى تجاوب الإدارة والعاملين لتوجيهاتها وقراراتها.
الرقابة الشرعية واجهة فقط
كان من المنتظر أن يصاحب تطبيق التجربة المصرفية الإسلامية ازدياد نشاط عمليات الاجتهاد الفقهي والابتكار الفني لتطوير واستحداث أساليب ونظم عمل جديدة ملائمة لطبيعة المصارف الإسلامية؛ وذلك بالتنسيق بين هيئة الرقابة الشرعية والعاملين في الميدان المصرفي؛ ذلك لأن لكل تجربة فقها، ولا بد لكل حركة من فقه التجربة، ومهما كان التنظير مهما وضروريا قبل التجربة، فإنه يبقى للفقه الميداني أو ما يسمى بفقه التجربة دوره ومساحته وضرورته؛ وذلك لوضع الحلول للمشكلات العملية التي تفرزها تباعا تجربة المصارف الإسلامية من الناحية المصرفية والشرعية.
ولكن تبين أن الإسهام الجاد والحقيقي في عملية البحث العلمي والتنظير الشرعي والمصرفي المصاحب لمسيرة هذه المصارف كان محدودا أو بطيئا للغاية، ولا يتفق مع أهمية التجربة وحجم الأموال المعهود بها إليها، وغاب التنسيق بين العاملين في ميدان الفقه والاقتصاد والعاملين في الميدان العملي بالمصارف الإسلامية.
إن الواقع يكشف أن الرقابة الشرعية في غالبية المصارف الإسلامية تحولت إلى واجهة فقط -وهو ما أثبتته زيارة ميدانية قمت بها للعديد من البنوك الإسلامية في مصر والأردن ودول الخليج- حيث اقتصرت مهامها على ما يعرض عليها من فتاوى، وقليل من المصارف تتيح للهيئة مراجعة عملياتها الاستثمارية من واقع بياناتها المالية الخاصة بالاستثمارات، وعدد محدود منها يعتمد على وجود مدقق شرعي يتابع تنفيذ العمليات المصرفية والائتمانية.
وقد أهمل دور هيئة الرقابة الشرعية التثقيفي للعاملين في المصارف الإسلامية، وبخاصة في السنوات القليلة الماضية؛ وهو ما ساهم في خلق جيل من العاملين في المصارف الإسلامية لا يفرق بين الحلال والحرام، بين المرابحة والقرض بفائدة، وبين المشاركة والحساب الجاري المدين. وعلى سبيل المثال قام أحد المصارف الإسلامية بعمل دورات تدريبية لتأهيل وإيجاد جيل من المديرين الشبان، وتم تدريبهم لمدة جاوزت نصف عام بالداخل وبالخارج دون أن يتلقى الدارس في هذه الدورات -ولو ساعة واحدة- برنامجا تدريبيا عن الجوانب الشرعية للعمليات المصرفية.
كما اقتصر أيضا دور هيئة الرقابة الشرعية على تقديم تقرير للجمعية العامة للبنك بسلامة وصحة جميع معاملاته الشرعية، بناء على اطلاعهم على بيانات مكتبية، دون التأكد من الناحية العملية من مطابقة عمليات تلك المصارف للشريعة الإسلامية.
آلية رقابية للعلاج
إن إصلاح المصارف الإسلامية يتوقف بصورة أساسية على تفعيل دور هيئات الرقابة الشرعية بتلك المصارف والتي تستمد منها المصارف صبغتها الإسلامية، ومصداقيتها أمام جمهور المتعاملين معها، فنحن نربأ بهيئة الرقابة الشرعية أن تكون عاجزة عن تقويم الأخطاء وتقديم البديل الشرعي، وتصبح بذلك واجهة شرعية تكمل بقية الواجهات، لإضافة الصبغة الشرعية على المصرف، وللدعاية أمام جمهور المسلمين.. ومن هذا المنطلق فإنه يتحتم على هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية الخروج من دائرة الإفتاء النظري والقيام بالرقابة الفعلية على كافة أعمال المصرف من خلال ما يلي:
1 - الرقابة السابقة للتنفيذ:
وذلك من خلال قيام هيئة الرقابة الشرعية بتأصيل القواعد الشرعية فيما يتعلق بمعاملات المصرف الإسلامي، وفي هذا الإطار يمكنها المساهمة في إعداد وصياغة نماذج العقود، والخدمات المصرفية، والتعامل مع الآخرين، سواء كانوا بنوكا أو شركات أو أفرادا، ومناقشة المشروعات ودراسات الجدوى من المنظور الإسلامي، مع استحداث مستمر لمزيد من الصيغ الشرعية المناسبة للمصرف الإسلامي لمواكبة التطورات العالمية في القطاع المصرفي.
وتبدو هنا أهمية وضع دليل عملي شرعي لكافة الأعمال المصرفية يتضمن الضوابط الشرعية لتلك المعاملات أسوة بما عليه العمل من وجود دليل مصرفي لمعاملات المصارف الإسلامية؛ وهو ما يسهم في تثقيف وتوعية العاملين بتلك المصارف من الناحية الشرعية، ويوحد معايير العمل والضبط والرقابة ويكشف لهيئة الفتوى جوانب العمليات المصرفية. كما تبدو أهمية مشاركة الهيئة في وضع نظام اختيار العاملين وتدريبهم بما يوفر عمالة مؤهلة شرعيا ومصرفيا لإدارة دفة العمل المصرفي الإسلامي.
2 - الرقابة الملازمة للتنفيذ:
وتعتبر تلك الرقابة من أهم الأعمال اللازمة لقيام هيئة الرقابة الشرعية بأعمالها بمصداقية وشفافية، من خلال إبداء الرأي الشرعي فيما يُحال إليها من معاملات المصرف الإسلامي، ومراجعة الخدمات المصرفية، وجميع مراحل تنفيذ العمليات المصرفية، وبصفة خاصة العمليات الاستثمارية الداخلية والخارجية من أول خطوة حتى آخر خطوة، وإبداء الملاحظات ومتابعة تصحيحها خطوة خطوة، مع عدم تنفيذ تلك العمليات إلا بعد موافقة صريحة وكتابية من الهيئة.
وهنا تبدو أهمية وجود مدقق شرعي لدراسة العمليات الاستثمارية من الناحية الشرعية جنبا إلى جنب مع الباحث الائتماني، فضلا عن دوره في متابعة تنفيذ الفتاوى، وقيامه بحلقة الوصل بين هيئة الرقابة والعاملين بالمصرف الإسلامي، بعرض جميع أعمال المصرف على هيئة الرقابة، ومن ثم تقديم ما تراه الهيئة مناسبا من المشورة الشرعية إلى المصرف في أي أمر من أمور المعاملات المصرفية، بالإضافة إلى كونه حلقة الوصل أيضا بين هيئة الرقابة والمتعاملين مع المصرف من خلال تقبل شكواهم ورفعها لهيئة الرقابة.
3 - الرقابة اللاحقة للتنفيذ:
وذلك من خلال تقييم عمل المصرف الإسلامي من الناحية الشرعية بصفة دورية، وهذا الأمر يتطلب من الهيئة المراجعة المستمرة لأعمال المصرف، من خلال مراجعة ملفات العمليات الاستثمارية بعد التنفيذ، وإبداء الرأي في الديون المتأخرة، وتحديد إذا ما كان المتعامل مع المصرف معسرا أو مماطلا أو قادرا على الدفع وما يترتب على ذلك، والاطلاع على الميزانية العمومية وتقرير مراقبي الحسابات، وكذلك مراجعة تقارير الجهات الرقابية الخارجية كالبنك المركزي، وفي ضوء هذه المراجعة تقدم الهيئة تقريرا دوريا تبدي فيه رأيها في المعاملات التي أجراها المصرف ومدى التزامه بالفتاوى الصادرة عن الهيئة والتوجيهات والإرشادات المنظمة.
وختاما، فإنه تبدو أهمية استقلالية هيئة الرقابة الشرعية وعدم عزل أي من أعضائها إلا بقرار من الجمعية العمومية؛ حتى لا تخضع في تشكيلاتها لأهواء مجلس الإدارة، كما ينبغي تفعيل وجود هيئة عليا للرقابة الشرعية ممثلة من جميع المصارف الإسلامية للتنسيق بين الفتاوى ونظم العمل الصادرة من الهيئات الخاصة بتلك المصارف. ويبقى بعد ذلك أهمية اهتمام البنوك المركزية بالرقابة الشرعية على أعمال المصارف الإسلامية بقدر اهتمامها بالرقابة المصرفية، من خلال إنشاء إدارة للتفتيش الشرعي بالبنك المركزي من أهل الخبرة الشرعية والمصرفية للتأكد من سلامة النواحي الشرعية في أعمال المصارف الإسلامية.
الكاتب : editor
التاريخ : 02/08/2009
عدد مرات الاطلاع : 352
رجوع