الانتحار بسلاح الدمار البشري الشامل
الانتحار بسلاح الدمار البشري الشامل
خلق الله الإنسان ، وصوره في أحسن تقويم ، ووهبه نعمة الحياة ، وجعله عارية مستردة تسترد بيد خالقها وحده ، وحافظ أتم حفظ على النفس البشرية فجعل حفظ النفس من الكليات الخمس التي جاءت الشريعة لرعايتها (الدين، النفس، النسل، العقل، المال). وقد أعلى القرآن الكريم من قيمة النفس الإنسانية ، وحث على الحفاظ عليها .
الانتحار بسلاح الدمار البشري الشامل
د. أشرف محمد دوابه :: بتاريخ: 2009-08-08
خلق الله الإنسان ، وصوره في أحسن تقويم ، ووهبه نعمة الحياة ، وجعله عارية مستردة تسترد بيد خالقها وحده ، وحافظ أتم حفظ على النفس البشرية فجعل حفظ النفس من الكليات الخمس التي جاءت الشريعة لرعايتها (الدين، النفس، النسل، العقل، المال). وقد أعلى القرآن الكريم من قيمة النفس الإنسانية ، وحث على الحفاظ عليها فقال تعالى : ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) المائدة/32. وحرم الإسلام قتل النفس بغير حق سواء بيد الغير ، أو بيد الإنسان نفسه انتحارا، حتى أنه جعل قتل المرء نفسه من أعظم الكبائر، وأنه سبب للخلود في نار جهنم والعياذ بالله ، يقول تعالى : ( ولاتقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) النساء/29، وروى البخاري ومسلم عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أنه قال : " من قتل نفسه بحديدة فحديدته يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً" . وقد كشفت إحصائيات منظمة الصحة العالمية عن تدنى نسبة الانتحار في مصر والدول الإسلامية مقارنة بالدول الغربية ، حيث يبلغ عدد حالات الانتحار في العالم نحو مليون ألف حالة سنوياً ، وتوجد أعلى معدلات الانتحار في الدول الاسكندنافية ( السويد - النرويج - الدنمارك ) ، وتصل إلى 40 لكل 100 ألف من السكان ، وفي بعض دول أوروبا الشرقية مثل المجر تصل هذه المعدلات إلى 38-40 لكل 100 ألف من السكان ، وفي فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا تزيد هذه المعدلات على 20 لكل 100 ألف من السكان. و في مصر والدول الإسلامية تقدر معدلات الانتحار بها بنحو 2-4 لكل 100 ألف من السكان. ويعزى انخفاض نسبة الانتحار في الدول الإسلامية إلى الجانب الإيماني والعقدي في نفوس أهل الإسلام بحرمة قتل النفس أو الانتحار ، وما يترتب على ذلك من عقوبة تجعل من المرء يفكر ألف مرة قبل الإقدام على هذا العمل الذي ينهي حياة المرء في الدنيا ولا ينهي تلك الحياة في الآخرة، ويجعل النفس الإنسانية رهينة الخلود في النار، وهو ما يجعل المسلم يواجه مشاكله في الدنيا ويصبر عليها وينظر إليها على أنها من باب البلاء ، ويعي جيدا أن تحمل هموم الدنيا أهون من تحمل دقيقة بل ثانية واحدة في نار جهنم .. فما بالنا بالخلود فيها!. وقد هالني هذه الأيام ما وجدته من وجود ظاهرة غريبة في مسقط رأسي مدينة الرحمانية بمحافظة البحيرة التي تميل للطابع الريفي ، حيث تنامي الانتحار بين شباب وفتيات في عمر الزهور فخلال ستة شهور انتحر نحو 6 من الشباب والفتيات الذين لا تتعدى أعمارهم عشرين عاما لمشاكل تعزى لأسباب نفسية أو عاطفية أو اجتماعية أو اقتصادية ، والعجيب أن وسيلة الانتحار التي تم استخدامها في جميع الحالات هي ما يعرف بأقراص حفظ الغلة (القمح) ، وهي أقراص سامة يتم بها حفظ الغلة من التسوس ، وهذه الأقراص إذا تناولها الإنسان فتكت بجسده فتكا مريعا خلال دقائق معدودات. والعجب الأكبر أنه لا توجد أي قيود أو ضوابط تنظم بيع تلك الأقراص التي لا يتعدى ثمن القرص الواحد منها خمسين قرشا!. إن تلك الظاهرة تطرح على السطح العديد من التساؤلات عن دور الأسرة في تربية الأبناء .. وعن دور الإعلام في التفسخ والانحلال .. وعن حركة الدين في جنبات النفوس .. وعن التفريط في الأمن الاجتماعي مقابل الإفراط في الأمن السياسي .. وعن تدعيم العلمنة على حساب الأسلمة .. وعن الدور التقليدي العقيم لبعض المؤسسات الرسمية الدينية التي أصبح بعضها ينظر لتذكير الناس باليوم الآخر والجزاء البرزخي والأخروي كأنه كبيرة من الكبائر والعياذ بالله !. إن ما أزعجني حقا تواجد وتكرار هذه الظاهرة المنافية لتعاليم ديننا خاصة ونحن مقبلون على شهر التقوى والمغفرة .. شهر رمضان ، ولا أدرى متى سيتحرك المسئولون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ممن يغرهم الشيطان الغرور!! .. ولا أقل على الفور من وضع قيود على سلاح الدمار البشري الشامل المسمى بأقراص الغلة ، فلا يتم بيعها إلا من خلال الجمعيات الزراعية أو جهات محددة بحيث لا تصرف إلا لمستخدميها ، بآلية محددة ، ووفقا لما خصصت من أجله. مع أهمية قيام الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب وكذلك الخطباء في المساجد والمدرسين في المدارس بدورهم التوعوي بحقيقة الانتحار وتبعاته الدنيوية والأخروية وجزاء الصبر على البلاء، وأيضا قيام الدولة بترسيخ الأمن والعدل الاجتماعي باعتباره الوسيلة الحقيقية والمثلى لتحقيق الأمن العام بما فيه الأمن السياسي. ويبقي أولا وأخيرا دور الأسرة التي ينبغي أن لا تعيش في غيبوبة التشرذم والماديات، فتهتم بتربية الأبناء تربية إسلامية تنمى الجانب الروحي ولا تغفل الجانب المادي ، وتربط الإيمان بالحياة، وتسمو بالنفس البشرية إلى بستان الطمأنينة والرضا. وليعي شبابنا وبناتنا أن الانتحار أو قتل النفس ليس حلاً لأية أزمة أو مشكلة أو نهاية المطاف بل هو عاقبته الخسران.. وإذا اشتدت الأمور فهي قابلة للانفراج ، وهناك دائما الكثير من البدائل التي يمكن التفكير فيها حين تتأزم الأمور وتشتد المحن ، ويمكن التماس النور وسط السواد الحالك للأزمات، ومن ثم الخروج من النفق المظلم وانتصار إرادة الحياة ، وفقا لأقدار واهب الحياة الذي حثنا على الثبات والصبر على الشدائد والبلاء (واستعينوا بالصبر والصلاة) البقرة/45، والعودة إليه سبحانه في كل حال، ورفع أكف الضراعة إليه (يارب)، مع الإيمان الوثيق بأن قدره سبحانه كله خير، وأنه عز وجل بيده كل شيء ، وهو وحده القادر على كل شيء.
الكاتب : editor
التاريخ : 21/08/2009
عدد مرات الاطلاع : 150
رجوع