English
Flash movie.
 
 
العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون .. الحاضر والمستقبل

العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون .. الحاضر والمستقبل

تمثل العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول مجلس التعاون الخليجي علاقة إستراتيجية تبادلية يحكمها عالم المصالح، فدول مجلس التعاون أكبر منتج ومصدر للنفط على مستوى العالم ، بينما تعتبر الولايات المتحدة من أكبر مستهلكي النفط عالميا، فضلا عن كونها أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم، ومن ثم سارت تلك العلاقة في مسار التوافق لتحقيق كل طرف مصلحته.

العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون .. الحاضر والمستقبل

د. أشرف محمد دوابه- آراء حول الخليج – مارس 2008
تمثل العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول مجلس التعاون الخليجي علاقة إستراتيجية تبادلية يحكمها عالم المصالح، فدول مجلس التعاون أكبر منتج ومصدر للنفط على مستوى العالم ، بينما تعتبر الولايات المتحدة من أكبر مستهلكي النفط عالميا، فضلا عن كونها أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم، ومن ثم سارت تلك العلاقة في مسار التوافق لتحقيق كل طرف مصلحته.


واقع العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون

 

لا يمكن انفصام واقع العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون عن المنظور التاريخي ، فقد ارتبطت تلك العلاقة بظهور النفط في دول الخليج العربي. وتعود الأهمية الحقيقية للنفط الخليجي بالنسبة للولايات المتحدة إلى أربعينات القرن الماضي حين خلصت دراسة عن النفط أعدتها إحدى الشركات الأمريكية إلى نتيجة مفادها بأن مركز الجاذبية في الإنتاج العالمي للنفط ينحسر عن منطقة الكاريبي متجهاً صوب الشرق الأوسط وبخاصة منطقة الخليج وأنه سوف يستمر في الانحسار حتى يتركز في تلك المنطقة. ووقتها أعلن الرئيس الأمريكي (روزفلت) في فبراير 1943م أن : "السعودية أصبحت من الآن فصاعداً ذات ضرورة حيوية للأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية". ومنذ ذلك الحين عملت الولايات المتحدة الأمريكية على شراء امتيازات للشركات الأمريكية في مختلف دول الخليج خاصة بالمشاريع النفطية، كما قامت بإنشاء جهاز أمني إقليمي للحفاظ على تدفق النفط الخليجي.
وفي السبعينات أدركت الولايات المتحدة قيمة دول الخليج العربي وتأثيرها في ميزان الاقتصاد العالمي من خلال موقفها الرائد في منع تصدير البترول للدول الحليفة لإسرائيل في حرب أكتوبر 1973م. ومنذ ذلك الوقت عززت الولايات المتحدة من دورها لضمان انسياب البترول الخليجي بأسعار تناسبها، وشهدت حقبة التسعينات تأكيدا لذلك، كما حرص الرئيس الأمريكي بوش في زيارته الأخيرة لمنطقة الخليج على أهمية تخفيض سعر برميل البترول ليكون في حدود 70 دولار بعد تجاوزه حاجز 100 دولار.
وتشير إحصاءات شركة النفط البريطانية لعام 2000م إلى أن منطقة الخليج ستبقى منطقة تصدير نفط وغاز في الأمد المنظور. حيث تحتوي على 65% من احتياطي النفط العالمي، و 33.8% من الاحتياطي العالمي للغاز. وتحتل دول مجلس التعاون المرتبة الأولى عالميا، حيث يبلغ إنتاجها من البترول حوالي 15 مليون برميل في اليوم الواحد ، وتحتفظ بنسبة 35% من احتياطي النفط العالمي. وفي جانب الطلب تستحوذ الولايات المتحدة على نحو 25% من حجم الطلب العالمي على النفط، - أي ما يعادل ربع الاستهلاك العالمي – تليها أوربا بنسبة 23.7% فاليابان بنسبة 13% ، ثم بقية دول آسيا واستراليا بنحو 15%.
وتعتبر دول مجلس التعاون ضمن أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة إذ تحتل المرتبة الـ15 من بين أكبر الشركاء التجاريين على المستوى العالمي وتحتل المرتبة الأولى على مستوى منطقة الشرق الأوسط، وتركز الاستثمارات الأمريكية في دول مجلس التعاون في قطاع البتروكيماويات، كما يستفيد ميزان المدفوعات الأمريكي من الصادرات غير المنظورة مع دول مجلس التعاون والمتمثلة في تحويلات القوى العاملة الأمريكية في منطقة الخليج من أجور ومرتبات، وكذلك السياحة الخليجية في الولايات المتحدة وخدمات الاستثمار والمقاولات التي توفرها المؤسسات الأمريكية لدول المجلس والخدمات المالية والعلاج والتعليم وغيرها.
كما أن دول مجلس التعاون تعتبر من أهم المناطق بالنسبة لسوق السلاح العالمي خاصة بعد عام 1990، وتسعى الولايات المتحدة إلى الاستفادة من هذه السوق. من خلال توقيع عقود لبيع أسلحة بمليارات الدولارات للعديد من الدول الخليجية. فضلا عما تتحمله ميزانيات تلك الدول من تكاليف القواعد العسكرية الأمريكية بدول الخليج.
كما تعتبر اتفاقية التجارة الحرة المبرمة بين كل من الولايات المتحدة والبحرين عام 2004 ، والولايات المتحدة وعمان عام 2006 وسيلة من وسائل تعزيز التبادل التجاري الحر وتنويع الهيكل الإنتاجي باقتصاديات تلك الدول.


مستقبل العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون


يعكس واقع الاقتصاد الأمريكي تباطؤ في النمو ووهن اقتصادي وعجز في الموازنة يتوقع أن يصل إلى 400 مليار دولار العام القادم، وترجع أسباب ذلك – كما أشار (بيتر أورزاغ) المسئول في مكتب الموازنة الأمريكية - إلى التشدد في منح القروض والائتمان وأزمة الإسكان وارتفاع أسعار النفط العالمية.
ولعل من أسباب وهن الاقتصاد الأمريكي أيضا هي التكاليف الباهظة للحرب على أفغانستان والعراق، فقد خطط لتكون هذين الحربين الداعم الأكبر للميزانية الأمريكية، ولكن أتت الأحداث بما لا تشتهيه الإدارة الأمريكية ووجدت الولايات المتحدة أن الطريق للاستيلاء على نفط العراق وبحر قزوين ليس مفروشا بالورود.
وكل هذا يعكس أهمية منطقة الخليج للمستقبل الأمريكي ، وسعي الإدارة الأمريكية للعض بالنواجذ على مصالحها في تلك المنطقة خاصة في ظل رغبتها في تحقيق توازن في الميزانية الفيدرالية بحلول العام 2012م ، كما أن دول مجلس التعاون أيضا تسعي إلى تحقيق مصالحها من خلال علاقة متوازنة مع الولايات المتحدة ، ولعل أبرز أبعاد العلاقة المستقبلية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون تشمل : النفط والغاز والتجارة والاستثمارات والعملة .
1- النفط والغاز:
يعكس مستقبل الاقتصاد العالمي تحديات عديدة في مجال الطاقة، حيث يتوقع ازديادا مستمرا في الطلب العالمي علي الطاقة، سواء داخل الدول المستهلكة التقليدية للطاقة أو نتيجة دخول لاعبين جدد إلي السوق العالمية للطاقة، بحكم نموها وانطلاقها الاقتصادي غير المسبوق، كما هو الحال في كل من الصين والهند. وهو ما يعكس أن المستقبل النفطي لا يزال مزدهرا وسوف يبقى في صدارة الطاقة واستخداماتها الصناعية والتجارية، وأن الإنتاج الخليجي سيظل مهيمنا على نمط الاستهلاك النفطي العالمي خلال العشرين عاماً القادمة على أقل تقدير.
ويتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على النفط إلى 112.8 مليون برميل يوميا عام 2020، فيما يتوقع أن تكون الطاقات الإنتاجية من النفط بمعدل يتراوح ما بين 87 و 116 مليون برميل يوميا، أي أن العالم قد يتجه إلى حالة قصور في الإمداد النفطي قد تنذر بأزمات اقتصادية على مستوى العالم.
وتصنف الولايات المتحدة ضمن الدول الكبرى المنتجة للنفط والمستوردة له في نفس الوقت، فهي ثالث دولة منتجة للنفط في العالم لكن نصيبها من احتياطات النفط العالمية المثبتة لا يتجاوز 2 % ، وهي أيضاً أكبر دولة مستهلكة للنفط.
وتشير بيانات وزارة الطاقة الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة تستهلك حاليا نحو 19 مليوناً و366 ألف برميل بترول يومياً، وهو ما يعادل ربع إجمالي استهلاك العالم من النفط الخام، وهذه الكمية سترتفع إلى نحو 26 مليون برميل يومياً بحلول عام 2020، تستورد منه نحو 11 مليوناً و600 ألف برميل يومياً، أي ما يعادل 45 % من مجمل استهلاكها من النفط، ، حيث يتجه الإنتاج المحلي من النفط في الولايات المتحدة إلى الانخفاض بحلول عام 2020 بسبب نضوب العديد من الحقول الحالية، وعدم اكتشاف حقول جديدة.
وفي داخل أوبك توجد ست دول فقط لديها القدرة على توسيع وتنمية طاقاتها الإنتاجية بحيث ترتفع من نحو 24 مليون برميل يوميا إلى نحو 48 مليون برميل يوميا في عام 2020، ومن هذه الدول ثلاث دول في مجلس التعاون الخليجي، هي السعودية والكويت والإمارات، فيما تمثلت الدول الأخرى في العراق وإيران وفنزويلا. ومن ثم فإن العلاقات بين الولايات المتحدة ودول المجلس سوف تزداد روابطها باعتبارها أكثر المجموعات التي يمكن الاعتماد عليها لتوفير احتياجات السوق النفطي العالمي، وذلك لتأمين حصولها على النفط ضمن ظروف وشروط تدعم النمو والازدهار الاقتصادي الأمريكي، وضمان عدم ارتهان صادراتها من النفط للدول المنتجة.
2- التجارة والاستثمارات :
شهدت دول مجلس التعاون مستويات مرتفعة من الفائض التجاري وفي فوائض الحساب الجاري لميزان المدفوعات ، نتيجة للارتفاع الملحوظ في سعر برميل النفط ، ومن المتوقع أن تحقق دول المجلس فائضا في الميزان الجاري يقدر بنحو 207.3 مليار دولار أمريكي في عام 2008 ، بنسبة 23.5% من الناتج المحلي الإجمالي .
وقد شهدت واردات دول المجلس ارتفاعا خلال الفترة (2002-2006) من 65.7 بليون دولار إلى 148.4 بليون أي بنسبة 126 %. وكان أكثر من 75 % منها من دول خارج الولايات المتحدة. وإن كانت العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة تشهد تطورا مستمرا ويتوقع لها مزيدا من التطور في ضوء ارتفاع حجم الاستثمارات الأمريكية في دول المجلس إلى نحو 18 مليار دولار، وكون الولايات المتحدة احد أهم الشركاء التجاريين لدول المجلس بقيمة بلغت 8ر62 مليار دولار عام 2006 منها 8ر38 مليار دولار صادرات خليجية لتحقق دول المجلس فائضا في ميزانها التجاري مع الولايات المتحدة بلغ 9ر14 مليار دولار في العام ذاته. ويستمر النفط الخام في السيطرة على صادرات دول مجلس التعاون، وتأتي بعده صادرات الغاز والبتروكيماويات والمنتجات النفطية وكلها مسعرة عادة بالدولار، وهو ما يزيد من عمق العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة.
وفي هذا الاتجاه أيضا تسير اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكل من البحرين وعمان في ظل إعادة هيكلة السياسات الأمريكية في المنطقة العربية من أجل الوصول في العام 2013 إلى منطقة تجارة حرة فيما بين الولايات المتحدة وبين دول الشرق الأوسط عبر اتفاقيات ثنائية ، وإن كان من الأولى أن لا تترك الفرصة للولايات المتحدة لعمل اتفاقات فرادى مع دول المجلس، بل اتفاق جماعي خاصة بعد ميلاد السوق الخليجية الموحدة، مما يعزز من تفاوض دول المجلس ويزيد من تخصصها، وتنويع هياكل إنتاجها، وتطوير قطاع الخدمات لديها وخاصة ما يتعلق بالبنوك والتأمين والأسواق المالية، بما يمكنها من التفاعل مع العولمة الاقتصادية.
وقد أفاد تقرير صدر حديثا عن معهد التمويل الدولي أن الولايات المتحدة جذبت ما يزيد على نصف رؤوس الأموال من دول مجلس التعاون المصدرة للنفط في السنوات الخمس الماضية، وقدر التقرير إجمالي إيرادات صادرات دول المجلس بما يزيد على 1.5 تريليون دولار في الفترة من 2002 إلى 2006. منها نحو تريليون دولار ذهبت إلى الواردات، والباقي وهو نحو 542 مليار دولار يمثل أموالا فائضة دخلت أسواق رأس المال العالمية وأسهمت في زيادة ما في حوزة دول المجلس من أصول أجنبية. وذكر التقرير أن نحو 300 مليار دولار ذهبت إلى الولايات المتحدة بينما ذهب 100 مليار دولار إلى أوروبا ونحو 60 مليارا إلى آسيا. وأشار التقرير إلى أن الفوائض المتنامية في دول الخليج لعبت دورا كبيرا في تعميق الاختلالات العالمية ومن مظاهرها العجز الضخم في ميزان المعاملات الخارجية الأمريكي.

3- العملة الخليجية الموحدة :
اتفق قادة دول مجلس التعاون خلال القمة الخليجية ال28 بالدوحة على تنفيذ الاتحاد النقدي الخليجي بحلول عام 2010 إلى جانب استمرار ارتباط جميع عملات الدول الخليجية باستثناء الكويت بالدولار الأمريكي كمثبت مشترك، وتسعير الصادرات النفطية الخليجية بالعملة الأمريكية. وكل ذلك سوف يعطى دول المجلس قدرات تفاوضية أكبر مع الولايات المتحدة في إبرام اتفاقية إقامة منطقة تجارة حرة جماعية معها، ويسهم في عودة ولو جزء بسيط من الأموال الخليجية في الخارج، والاستفادة منها في تنمية الاقتصاديات الخليجية .
وإن كان على دول المجلس أن تنظر لمصالحها ، وتوازن بين الارتباط بالدولار وما يسببه ذلك من تضخم مزدوج ناشئ عن انخفاض الدولار وتخفيض سعر الفائدة في الولايات المتحدة ، وهو الأمر الذي ترتب عليه خسائر لدول المجلس تقدر بنحو 60 مليار دولار خلال العام الماضي، منها 37 مليار دولار بسبب انخفاض قيمة صادرتها الفعلية و23 مليار دولار بسبب ارتفاع قيمة واردتها، خاصة أن دول المجلس تعتمد في غالبية صادرتها على دول الاتحاد الأوربي ودول آسيا .
ومما لا شك فيه أن هذا القرار هو قرار سيادي سياسي ، لكن جدوى الإبقاء على تسعير النفط بالدولار من ناحية اقتصادية ما زالت قائمة. وهذا لا يمنع دول المجلس من محاولة التقليل من الآثار السلبية لانخفاض الدولار في احتياطياتها من خلال فك الارتباط بالدولار تدريجيا والارتباط بسلة عملات ، والاعتماد على السياسة الهيكلية بتنويع إنتاجها بما يلبى احتياجاتها، ويمكنها من تحقيق علاقات متوازنة ومتكافئة مع الولايات المتحدة.

 


الكاتب : editor
التاريخ : 26/01/2010
عدد مرات الاطلاع : 279

رجوع
   
Powered By Datacircle الدكــتور أشرف دوابـه © جميع الحقوق محفوظة