التعامل الإماراتي مع الطفرة النفطية الثالثة مؤشرات على تفادي أخطاء الطفرة الأولي
د. أشرف محمد دوابه
تعد دولة الإمارات العربية المتحدة كغيرها من الدول الخليجية التي يرتكز أساس بنيانها الاقتصادي على النفط ، وقد شهد النفط طفرة سعرية حيث حقق سعر البرميل ارتفاعا متناميا تجاوز حاجز 115 دولار ، ويتوقع له خلال السنوات القادمة مزيدا من الارتفاع ، متجاوزا توقعات البلدان المصدرة للنفط ، حيث يتزايد الطلب العالمي على الصادرات النفطية الخليجية في ظل حقيقة أن الدول الخليجية هي صاحبة الاحتياطيات الأكبر في العالم ، وتأتي الإمارات في المرتبة الرابعة من حيث الاحتياطي العالمي من النفط حيث تأتى السعودية في المرتبة الأولى بنسبة 24 في المائة ، تليها إيران بنسبة 12 في المائة ، ثم العراق بنسبة 10 في المائة ، فالإمارات والكويت بواقع 9 في المائة لكل منهما.
وتعتبر الطفرة النفطية الثالثة التي بدأت منذ العام 2002 فرصة مواتية للاقتصاد الإماراتي لتوظيف الإيرادات الناجمة عنها بصورة تمكن من تحقيق طفرة موازية في تنويع وتطوير الهيكل الاقتصادي الإماراتي، وبما يمكنها من بنيان اقتصادها والاعتماد على ذاتها ، وتجنب مخاطر الاعتماد على أسعار النفط العالية لضبط ميزانياتها والتكيف مع إيراداته سواء في حالة زيادتها أو انخفاضها، والاستفادة من سلبيات الطفرة النفطية الأولى في العام 1973م ، والثانيةفي العام 1981م.
الطفرة النفطية الأولى والثانية .. عيوب ومآخذ
شهدت بدايات السبعينات عقب حرب أكتوبر 1973 حدوث طفرة نفطية نتيجة لارتفاع أسعار النفط في ذلك الوقت ارتفاعا غير مسبوق، نتج عنه تراكم فوائض مالية ضخمة غير متوقعة، ولم يكن هناك خطط لاستغلال واستثمار تلك الفوائض بصورة تحسن تخصيص الموارد، فقد اتجهت تلك الفوائض بصورة أساسية نحو الاستثمار بالخارج، واحتلت سندات الخزانة الأمريكية قدرا ليس هينا من تلك الإيرادات، كما تركزت استثمارات تلك الفوائض في المجال العقاري والخدمي والأسهم المرتبطة في غالبية الأحيان بهذين المجالين، وهو ما يعنى اتجاه الأموال في الغالب نحو الاقتصاد الريعي أو الاقتصاد غير المنتج، والذي يطلق عليه الاقتصادي الانجليزي المشهور (جون كينـز) "اقتصاد الكازينو". باعتباره الاقتصاد الذي يزدهر في مجالي المضاربات العقارية ومضاربات بورصات الأوراق المالية التي وُصفت في كثير من الأحيان بأنها مضاربات جنونية، تعوق الاستقرار الاقتصادي ، وتخلف وراءها مشاكل اقتصادية جمة ، وقد ظهر ذلك واضحا بصورة أكبر في الطفرة النفطية الثانية في الثمانينات أثناء السنوات الأربع الأولى من الحرب العراقية الإيرانية حيث سارت على نفس خطى الطفرة الأولى، ولم تستفد من سلبياتها، واستخدمت الأموال في البنية الأساسية ورفع نصيب المواطن من الريع، والتدافع على شراء الأراضي والعقارات والذهب، والتوجه بالأموال نحو الخارج، والاستثمار في البورصات العالمية.
الطفرة الثالثة والاستفادة من الماضي
تعتبر الإمارات ثاني أكبر اقتصاد بين دول مجلس التعاون الخليجي بعد السعودية وأحد أكثر الاقتصاديات انفتاحا وتكاملا في المنطقة ، ومنذ أن ظهرت الطفرة النفطية الثالثة والاقتصاد الإماراتي يتجه نحو مزيدا من النمو ومحاولة الاستفادة من أخطاء الطفرة النفطية الأولى والثانية، فقد تجاوزت معدلات النمو الضعف منذ العام 2003. وقد كشفت بيانات وزارة الاقتصاد الإماراتية عن أن الناتج المحلي الإجمالي في العام 2006 حقق نموا بنسبة 23.4 في المائة ليبلغ 599.2 مليار درهم إماراتي، مقابل 485.5 مليار درهم في العام السابق، وسجل الناتج المحلي الإجمالي الاسمي نموا بلغت نسبته 16.5 في المائة ليبلغ 698.1 مليار درهم.
وسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموا بنسبة 7.4 في المائة خلال العام 2007 ليبلغ 420.2 مليار درهم، وذلك على أثر النمو الذي تم تحقيقه في العام 2006 حيث بلغ 391.2 مليار درهم. كذلك ارتفع النمو الاقتصادي الحقيقي الذي يستبعد الأثر المباشر للتغيرات في أسعار النفط بمعدل نمو سنوي مركب بلغت نسبته 9.3 في المائة سنويا خلال الخمسة أعوام الأخيرة مشكلا أحد أسرع المعدلات في العالم . إلا أن هذا النمو قد تباطأ خلال العام 2007 بسبب عدة عوامل يأتي في مقدمتها التزام الإمارات بالحصة النفطية المقررة تجاه منظمة الأوبك وأعمال الصيانة الكبيرة لحقول النفط قبل نهاية السنة. إلا أن النظرة المستقبلية تتنبأ بارتفاع معدل النمو الاقتصادي نتيجة توجه منظمة أوبك نحو رفع سقف الإنتاج في العام 2008 وتحسين الطاقة الإنتاجية للنفط. وبما أنه من المتوقع بقاء أسعار النفط عند مستويات عالية، فإن وفرة السيولة سوف تستمر، الأمر الذي سيكون له أثرا إيجابيا على الأنشطة الاقتصادية الأخرى، ونتيجة لذلك وبالنظر للوتيرة السريعة لأعمال تطوير البنية التحتية في هذه المرحلة، فإن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للإمارات يتوقع له الارتفاع خلال العام 2008 ليتراوح ما بين 8.0 – 9.0 في المائة.
وقد بلغت الزيادة في الناتج المحلي في العام 2006 في القطاعات غير البترولية نسبة 20.3 في المائة حيث ارتفع الناتج المحلي لتلك القطاعات من 312 مليار درهم عام 2005 إلى 376 مليار درهم عام 2006، بنسبة مساهمة في إجمالي الناتج 62.7 في المائة في 2006 ، في حين بلغت نسبة الزيادة في قطاع البترول الخام والغاز الطبيعي نسبة 29 في المائة في 2006 مقارنة بسنة 2005 ، نتيجة لزيادة أسعار البترول الخام في 2006 بنسبة 18.5 في المائة مقارنة بسنة 2005 لتصل إلى 63.5 دولار أمريكي للبرميل ولزيادة الكميات المنتجة من المكثفات، لذلك ارتفعت القيمة المضافة لهذا القطاع من 173.2 مليار درهم في 2005 إلى 223.4 مليار درهم في 2006 وارتفعت بالتالي مساهمته في إجمالي الناتج إلى 37.3 في المائة مقابل 35.7 في المائة في 2005.
وبتتبع نمو القطاعات الاقتصادية غير البترولية ومساهمتها في الناتج المحلى الإجمالي يلاحظ أن قطاع التشييد والبناء حقق في 2006 أعلى زيادة مقارنة بالقطاعات الأخرى بنسبة 29 في المائة عن العام 2005 ، حيث ارتفعت القيمة المضافة لذلك القطاع من 35 مليار درهم في 2005 إلى 45.1 مليار درهم في 2006 وزادت مساهمته في الناتج المحلى الإجمالي من 7 في المائة في 2005 إلى 8 في المائة في 2006، نتيجة لزيادة الطلب على الوحدات التجارية والسكنية.
ويأتي بعد ذلك قطاع العقارات وخدمات الأعمال باعتباره أحد المحاور الرئيسة لعملية التنمية في مجال الخدمات ، فقد حقق زيادة بنسبة 28.4 في المائة مقارنة بعام 2005 ، حيث ارتفع ناتج ذلك القطاع من 35.9 مليار درهم في 2005 إلى 46.1 مليار درهم في 2006 ، وزادت مساهمته في الناتج من 7.4 في المائة إلى 7.7 في المائة.
ثم يأتي بعد ذلك قطاع المشروعات المالية بما يتضمنه من البنوك والمؤسسات المالية والاستثمارية وشركات التأمين ، فقد ارتفعت القيمة المضافة له بنسبة 25.5 في المائة مقارنة بعام 2005 ، حيث ارتفع ناتج ذلك القطاع من 28.4 مليار درهم في 2005 إلى 35.7 مليار درهم في 2006 وزادت مساهمته في الناتج قليلا لتبلغ 6 في المائة.
ويلي ذلك قطاع الصناعات التحويلية بزيادة بلغت نسبتها 20 في المائة حيث ارتفعت القيمة المضافة لهذا القطاع من 61.2 مليار درهم في 2005 إلى 73.4 مليار درهم في 2006 ، وتعزى هذه الزيادة إلى ارتفاع قيمة الغاز المسيل نتيجة لتصاعد أسعاره تماشيا مع زيادة أسعار البترول الخام، وإن انخفضت مساهمة هذا القطاع في الناتج من 12.3 في المائة مقابل 12.6 في المائة في 2005.
ويأتي بعد ذلك كل من : قطاع الجملة والتجزئة وخدمات الإصلاح، وقطاع النقل والتخزين والاتصالات بنسبة 18 في المائة لكل منهما مقارنة بسنة 2005 ، نتيجة لنمو النشاط التجاري، فقد ارتفع قطاع الجملة والتجزئة وخدمات الإصلاح من 53 مليار درهم في 2005 إلى 62.5 مليار درهم في 2006 ، كما زادت القيمة المضافة لقطاع النقل والتخزين والاتصالات من 32.6 مليار درهم في 2005 إلى 38.5 مليار درهم في 2006.
كما نما قطاع المطاعم والفنادق بنسبة 16.6 في المائة مقارنة بمستواه في 2005 ليصل إلى 10.4 مليار درهم ، محققا زيادة بلغت حوالي 1.5 مليار درهم خلال سنة واحدة وهو يبرز ما تمثله السياحة من أهمية بالنسبة لاقتصاد دولة الإمارات.
كما ارتفع ناتج قطاع الخدمات المالية بنسبة 12.3 في المائة مقارنة بمستوى 2005 لتصل قيمته المضافة إلى 39 مليار درهم وإن انخفضت مساهمته في الناتج من 7.2 في المائة في 2005 إلى 6.5 في المائة في 2006 وواصل قطاع الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية نموه حيث ارتفع الناتج فيه خلال 2006 بنسبة 11 في المائة مقارنة بسنة 2005 ليصل إلى 12.2 مليار درهم.
وارتفعت نسبة مساهمة قطاعات الإنتاج السلعي في إجمالي الناتج المحلي من 59.6 في المائة في 2005 إلى 60.9 في المائة في 2006 نتيجة لارتفاع مساهمة قطاع البترول الخام ، وباستبعاد الصناعات الاستخراجية والتي يشكل البترول الخام والغاز الطبيعي معظمها ، فإن نسبة مساهمة قطاع الإنتاج السلعي (غير الاستخراجي) ترتفع كذلك من 37 في المائة في 2005 إلى 37.5 في المائة في 2006 ، بينما تستحوذ قطاعات الخدمات على أكثر من 62 في المائة من إجمالي الناتج طوال السنوات الست الأخيرة.
وبالنسبة للإنفاق الاستهلاكي فقد ارتفع إجمالي الإنفاق الاستهلاكي النهائي في 2006 بشقيه الحكومي والخاص بنسبة 16.9 في المائة وبقيمة 48.5 مليار درهم مقارنة بمستواه في 2005 ليصل إلى 336 مليار درهم، وإن كانت نسبته إلى إجمالي الناتج قد انخفضت من 59.2 في المائة في 2005 إلى 56.1 في المائة في 2006 ، ونتيجة لزيادة عدد السكان وزيادة معدلات الدخول وارتفاع مستويات الأسعار فقد زاد الاستهلاك النهائي الخاص في 2006 بنسبة 17.9 في المائة مقارنة بمستواه في 2005 ليصل 275.3 مليار درهم ، وأصبح يشكل ما نسبته 82 في المائة من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي النهائي ، وارتفع نصيب الفرد من الاستهلاك النهائي الخاص من 56.9 ألف درهم في 2005 إلى 65.1 ألف درهم في 2006 بنسبة زيادة 14.5 في المائة.
وارتفع تكوين رأس المال الثابت في 2006 بنسبة 29 في المائة مقارنة بمستواه في 2005 ليصل إلى 121 مليار درهم مقابل 93.8 مليار درهم في 2005 ، وارتفعت نسبته إلى إجمالي الناتج بحوالي نقطة مئوية واحدة مقارنة بسنة 2005 لتبلغ 20.2 في المائة.
ومن جانب آخر ارتفع صافي قيمة الصادرات من السلع والخدمات من 103.6 مليار درهم في 2005 إلى 141.8 مليار درهم 2006 وبنسبة زيادة 36.9 في المائة. وارتفع فائض الميزان التجاري بنسبة 31.8 في المائة وفائض الحساب الجاري بنسبة 44.3 في المائة من المستوى المتحقق في 2005 ، وشهد ميزان المدفوعات فائض 23.89 مليار درهم في 2006 ، مقابل فائض 9.5 مليار درهم في 2005.
وقد زادت الإيرادات الحكومية في العام 2006 بنسبة 39.5 في المائة لتصل لمبلغ 200.7 مليار درهم مقابل 149.3 مليار درهم في 2005 ، ويرجع ذلك بصورة رئيسة إلى زيادة إيرادات البترول الخام والغاز والإيرادات غير الضريبية الأخرى ، حيث ارتفعت تلك الإيرادات في 2006 بنسبة 40.2 في المائة لتصل إلى 192.2 مليار درهم مقابل 137.1 مليار درهم في 2005 مشكلة 95.8 في المائة من إجمالي الإيرادات وذلك بصفة رئيسة لارتفاع إيرادات البترول الخام والغاز بنحو 50.1 مليار درهم لتصل إلى 161.5 مليار درهم في عام 2006 مقابل 111.4 مليار درهم في عام 2005 ، وبنسبة زيادة 45 في المائة. كما ارتفعت النفقات في سنة 2006 بمقدار 23.8 مليار درهم لتبلغ 128.2 مليار درهم مقابل 104.4 مليار درهم في سنة 2005، وبنسبة زيادة 22.8 في المائة ، وشكلت النفقات الجارية ما نسبته 78.5 من إجمالي النفقات لتصل إلى 100.7 مليار درهم مقابل 84.3 مليار درهم في 2005 ، وزادت النفقات في بند الأجور والرواتب في سنة 2006 بمقدار1.1 مليار درهم لتصل إلى 17.8 مليار درهم بنسبة زيادة 6.7 في المائة ، كما زادت النفقات على بند السلع والخدمات بمقدار 1.7 مليار درهم لتصل إلى 26.1 مليار درهم بنسبة زيادة 7 في المائة ، وزادت النفقات على بند الدعم والتحويلات بمقدار 11.4 مليار درهم لتصل إلى 30.3 مليار درهم ، كما زادت النفقات الجارية الأخرى غير الموزعة بنحو2.3 مليار درهم لتصل إلى 26.6 مليار درهم بنسبة زيادة 9.3 في المائة.
وزادت النفقات الإنمائية في سنة2006 بنسبة 19.3 في المائة لتصل إلى 16.7 مليار درهم مقابل 14.0 مليار درهم في سنة 2005، كما ارتفعت القروض والمساهمات الرأسمالية في سنة 2006 لتصل إلى 10.8 مليار درهم مقابل 6.1 مليار درهم في سنة2005، بنسبة زيادة 77 في المائة.
وقد بلغ الفائض في الحساب المالي الحكومي الموحد في سنة 2006 نحو 72.5 مليار درهم مقابل فائض بلغ 39.5 مليار درهم في سنة 2005 ، بنسبة زيادة 83.5 في المائة.
وكل هذا يعكس الخطوات التي تسير نحوها دولة الإمارات من أجل تنويع هيكلها الإنتاجي، وذلك سعيا لتأمين الاقتصاد من المخاطر المرتبطة بالنفط وتعزيز النمو المستقبلي. ووفق هذا التوجه فقد قامت السلطات في كل إمارة بتحرير سياساتها وتشجيع كل من الشركات الخاصة والأجنبية على الاستثمار لتصبح جزءا من نمو الدولة . وقد احتلت حكومة دبي المقدمة بجلب الاستثمارات الجديدة إلى المدينة وجعل الإمارة إحدى الوجهات الجذابة على مستوى العالم من خلال تحرير الاقتصاد، وتطوير المناطق الحرة، والمدن الصناعية جنبا إلى جنب مع الاستثمار في المشروعات الضخمة سواء أكان استثمار مادي أو مالي وباتت دبي حاليا من بين العشرة مراكز المالية الأولى الأكثر تنافسية على مستوى العالم وفقا لأحدث تصنيف في مؤشر المركز المالي العالمي الصادر عن مدينة لندن ، وهو ما يشير إلى القفزة المهمة لوضع دبي كمركز عالمي للتجارة والمال.
إن دولة الإمارات تعج اليوم بحراك تنموي و تعميري واسع وتخلق قنوات جديدة لاستثمار الفائض من عائدات النفط، بصورة تتجنب قدر الإمكان الأخطاء التي وقعت فيها منطقة الخليج في الطفرة النفطية الأولى والثانية من خلال تنويع التركيبة الاقتصادية، وجذب المستثمرين ، وتوفير بيئة تشريعية آمنة ، وفرص استثمار مجدية ، والتركيز على الاستثمار في الصناعات الرأسمالية ، ونقل التكنولوجيا ، والطاقة البديلة ، ورفع الطاقة الإنتاجية والتكريرية للنفط، وعولمة سوق المال ، والاهتمام بالتنمية البشرية ، والصحة والتعليم وتوفير فرص عمل للمواطنين وتحسين دخولهم ، وصناعة المعرفة على المستوى المحلي والعربي، ولعل ما أعلنه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رئيس وزراء الإمارات و حاكم دبي في عمان عن تخصيص نحو 10 بلايين دولار للإنفاق على دعم العقول و المواهب العربية الشابة و إنشاء مراكز الأبحاث العلمية و إرسال البعثات التعليمية إلى أرقى المعاهد العالمية في الشرق والغرب يصب في هذا الاتجاه، بل إن الطفرة النفطية عززت من الاستثمارات الإماراتية في الدول العربية والإسلامية كما حدث بالنسبة لشركة اتصالات الإمارات وشركة إعمار وغيرهما. بل توجهت بعض الشركات نحو العالمية كشركة موانئ دبي.
ورغم تلك الصورة الجيدة لاستغلال الطفرة النفطية إلا أنه ما زالت بعض الصور السابقة تندرج مع الطفرة الحالية ويتكرر المشهد الاقتصادي ذاته. فالزيادة الهائلة في السيولة النقدية في الأسواق، قد دفعت إلى المضاربات في سوق المال، ورفعت أسهماً لا تستحق الرفع بمعدلات غير معقولة، بينما ارتفع المعقول إلى مستويات جنونية، مما نتج عنه ظهور الفقاعات الاقتصادية في البورصات الإماراتية والتي أدى انفجارها إلى تحقيق خسائر للمتعاملين قدرت بنحو 329 مليار درهم في نهاية العام 2006.
كما تم الاتجاه نحو المضاربات العقارية، بل إن توجيه الأموال للخارج مازال مستمرا ، وفي هذا الإطار أوضح تقرير حديث لمؤسسة أوليفر وايمان للاستشارات الإدارية أن ما يقدر بنسبة 16 في المائة من ثروات كبار الأغنياء عالمياً تم استثمارها خارج دولها في العام 2007، وبالنسبة للشرق الأوسط فإن 52 في المائة من ثروات كبار الأغنياء يتم استثمارها خارج دولها.
. كما أنه رغم الازدهار الاقتصادي الذي حققه ارتفاع أسعار النفط إلا أن الطفرة النفطية كان لها كبير الأثر في رفع معدل التضخم ومن ثم ارتفاع الأسعار ، وهو ما أدى بالحكومة الإماراتية إلى زيادة الأجور حتى بلغت هذه الزيادة في العام 2007 أكثر من 70 في المائة ، وهو ما ترتب عليه مزيدا أيضا من ارتفاع الأسعار والدخول في لولب الأسعار / الأجور . ويعتبر التضخم وليد عدة عوامل عديدة من أهمها ارتفاع الأسعار العالمية نتيجة لارتفاع أسعار النفط ومن ثم زيادة قيمة فاتورة الواردات لدولة الإمارات ، فضلا عن السياسة النقدية المتبعة والتي ارتبطت بالدولار بزواج كاثوليكي ، رغم تراجع الدولار ودخول الاقتصاد الأمريكي في مرحلة كساد ، وقد أدى هذا الوضع إلى سير البنك المركزي الإماراتي على خطى البنك الفيدرالي الأمريكي من حيث خفض أسعار الفائدة على حساب تجاهل التضخم الذي بلغ أعلى مستوياته منذ 20 عاما ليصل إلى 12 في المائة خلال العام 2008 مقارنة بـ 10.9 في المائة في العام 2007.
إن استشراف المستقبل ينبغي أن يدفع دولة الإمارات قدما نحو مزيد من التنمية والاعتماد على الذات والتكتل الخليجي والعربي والإسلامي ، بإستراتيجية واضحة المعالم ، وخارطة استثمارية تعميرية تنويعية واضحة السبل والخطوات ، وينبغي في هذا الإطار توظيف أموال الطفرة النفطية الجديدة علي أسس اقتصادية سليمة ومتوازنة في الاستثمار الصناعي والزراعي والتجاري والخدمي بدولة الإمارات فالبلدان الخليجية والعربية والإسلامية، وكذلك تطوير مناخ الاستثمار بصفة دائمة ، وصياغة علاقة متكاملة بين دول الأوبك بصورة تمكن من تخطيط حركة أسعار النفط لتلافي التذبذبات الحادة في السوق، والاهتمام داخليا بالاستثمار في القطاعات الحيوية - في إطار تنويع مصادر الدخل وخطط التنمية الشاملة - وفي مقدمتها التنمية البشرية ، وتنمية القطاع العقاري والمالي والسياحي والصناعات التحويلية ومجال الطاقة ، والطاقة البديلة ، وصناعة الاتصالات، والتقنية الحديثة، والبحث العلمي والتعليم العالي ، فلم يعد مقبولا ولا مستساغا أن يقال أن النفط وحده المصدر الأول والأساس للتكفل برخاء الأجيال القادمة.