تحديات أسواق العمل الخليجية
د. أشرف محمد دوابه – آراء حول الخليج - اغسطس 2008
تشهد دول مجلس التعاون الخليجي نموا مستمرا ، وعمرانا واضحا ، ورغم ذلك فإن أسواق العمل الخليجية تعانى من اختلالات هيكلية ، وسيادة العمالة الأسيوية على غيرها من العمالة الوطنية والعربية.
وتشير تقديرات منظمة العمل العربية (2005) إلى تنامي معدلات البطالة في الدول الخليجية حيث بلغت نسبة البطالة في سلطنة عمان 7.5 في المائة ، وفي السعودية 6.05 في المائة ، والبحرين 3.4 في المائة ، والإمارات 2.3 في المائة ، وقطر 2.0 في المائة ، والكويت 1.67 في المائة. والبطالة في مجملها بطالة متعلمين وتتركز في صفوف الشباب حتى بلغت نسبة العاطلين من الشباب لإجمالي العاطلين نحو 80 في المائة في الكويت وقطر ، و 75 في المائة في البحرين ، و 65 في المائة في عمان . وتبلغ معدلات البطالة لدى الجنسين من الشباب (15-24 سنة) نسبة 25.9 في المائة في السعودية ، و 23.32 في المائة في الكويت، و 20.7 في المائة في البحرين، و 19.65 في المائة في عمان ، و 17 في المائة في قطر، و 6.3 في المائة في الإمارات ، وبذلك يزيد هذا المعدل في جميع دول الخليج عدا الإمارات عن المعدل العالمي الذي يبلغ 14.4 في المائة.
وترجع أسباب ذلك إلى عوامل خاصة بطبيعة الاقتصاديات الخليجية وأخرى خاصة بطبيعة العمالة الخليجية ، وثالثة عوامل خارجية.
أولا : عوامل خاصة بطبيعة الاقتصاديات الخليجية :
لقد عجزت الاقتصاديات الخليجية عن توفير فرص عمل كافية للداخلين الجدد لسوق العمل ، فرغم ما تتسم به دول الخليج من التوجه نحو التنمية إلا أن جهود التنمية لا تتوازن مع معدل نمو القوى العاملة ، فالقوى العاملة الخليجية تنمو بمعدلات تفوق معدلات نمو السكان ، حيث بلغ نموها في العام 2006 نسبة 3.4 في المائة في حين بلع معدل النمو السكاني 2.4 في المائة .كما تشهد اقتصاديات دول الخليج العربي تركز العمالة الوطنية في القطاع الخدمي على حساب القطاعات الإنتاجية الأخرى الصناعية والزراعية سعيا وراء الربح السريع دون النظر إلى التنمية الصناعية البعيدة المدى التي تعد الوسيلة الناجعة لخلق فرص عمل دائمة. وفي الوقت نفسه فإن اقتصاديات دول الخليج العربي لا تخلو من البطالة الوطنية المقنعة والتشغيل الناقص الذي يعتبر بحق الجانب الخفي من البطالة والتشغيل ، وهو ما كان له تأثيرا سلبيا على الإنتاجية ، وتقليص فرص التشغيل .
ولعل ما يزيد الأمر تعقيدا هو سياسة شبه الباب المفتوح لاستقدام العمالة الآسيوية كما لا نوعا وان كانت تلك السياسة محاطة بالقيود الإدارية والأمنية المتعلقة بالاستقدام والإقامة وغيرها ولكن هناك إغفال للجانب الأهم وهو اختيار النوعية. ويرجع ذلك إلى انخفاض أجر تلك العمالة وقبولها العمل في الوظائف الدنيا ، وهو ما يتفق مع مراد القطاع الخاص الذي يسانده في ذلك نظام الكفالة الذي أصبح عبئا على سوق العمل الخليجي ، حيث يتيح استغلال القطاع الخاص للعمالة ويضعف الحافز لدى هذا القطاع لتطوير بيئة العمل واستقطاب وتعيين المواطنين. ويظهر الجدول التالي نسبة ما تمثله العمالة الآسيوية في العام 2005 - وفقا لأحدث بيانات متاحة - حيث وصلت نسبتها إلى 87.1 في المائة في الإمارات ، و 80.7 في البحرين في المائة ، و 59.30 في المائة في السعودية، و 92.4 في المائة في عمان ، 45.64 في المائة في قطر، و 56.36 في المائة في الكويت ، في حين تبلغ نسبة العمالة العربية 8.71 ، 12.42 ، 31.2 ، 5.61 ، 40.07، 30.95 في المائة للدول الست على التوالي.
القوة العاملة ونسبة العمالة الوطنية وغير الوطنية في بلدان الخليج العربي عام 2005
|
م
|
الدولة
|
إجمالي العمالة الوطنية والأجنبية
|
عدد العمالة الوافدة
|
نسبة العمالة الوافدة %
|
نسبة العمالة الوافدة حسب الجنسية %
|
|
عربية
|
آسيوية
|
أوربية
|
أمريكية
|
أخرى
|
|
1
|
الإمارات
|
3,315,000
|
2,738,000
|
82.26
|
8.71
|
87.14
|
1.50
|
0.54
|
2.11
|
|
2
|
البحرين
|
522,000
|
306,000
|
58.58
|
12.42
|
80.07
|
1.96
|
1.96
|
3.59
|
|
3
|
السعودية
|
7,579,000
|
4,894,000
|
64.57
|
31.20
|
59.30
|
3.25
|
2.10
|
4.15
|
|
4
|
عمان
|
914,000
|
605,000
|
66.13
|
5.61
|
92.40
|
_
|
_
|
1.99
|
|
5
|
قطر
|
555,714
|
315,034
|
56.69
|
40.07
|
45.64
|
1.99
|
_
|
12.30
|
|
6
|
الكويت
|
1,594,000
|
1,302,000
|
81.70
|
30.95
|
65.36
|
0.31
|
0.15
|
3.23
|
|
إجمالي
|
14,479,714
|
10,160,034
|
70.27
|
23.19
|
69.90
|
2.12
|
1.25
|
3.54
|
المصدر : منظمة العمل العربية.
ورغم ما تسهم به العمالة الآسيوية في النمو إلا أنها في الوقت نفسه ذات تأثير سلبي ومخاطر على دول الخليج العربي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وأمنيا. فعلى الصعيد الاقتصادي، تستنزف العمالة الآسيوية الجزء الأكبر من تحويلات العاملين في دول الخليج العربي ، فضلا عن كون العديد من تلك العمالة لا تتسم بالمهارة ، وعلى الصعيد الاجتماعي فقد أسفر التدفق الهائل من العمالة الآسيوية الوافدة عن تركيبة سكانية غير متجانسة مما أدى إلى انخفاض نسبة السكان الوطنيين إلى نسبة الحجم الكلي للسكان الأمر الذي يؤثر على هوية المواطنين وقيمهم ، وعلى الصعيد السياسي تتصاعد المخاوف من مطالبة العمالة الوافدة بحقوق سياسية معينة نتيجة بقائهم في بعض الدول لفترات زمنية طويلة، والتفكير في تشكيل مجتمعات خاصة بهم قائمة بذاتها، ومنفصلة عن المجتمع الأصلي. فضلا عن المخاوف من نشرهم أفكارهم وأيديولوجياتهم وقيامهم بتنظيم أنفسهم في جمعيات سرية أو معلنة للدفاع عن حقوقهم والمطالبة بمساواتهم بالمواطنين.وعلى الصعيد الأمني فإن زيادة أعداد العمالة الوافدة يستلزم زيادة نفقات الأمن الداخلي للحفاظ على استقرار البلاد ، فضلا عن مخاطر استمرار تدفق هجرة العمالة الآسيوية وانتشار البطالة بينهم مما قد يؤدى إلى زيادة معدلات الجريمة والانحراف وارتكاب جرائم الاعتداء على النفس والعرض والسرقة والنصب والاحتيال والمخدرات وغيرها.
ثانيا : عوامل خاصة بطبيعة العمالة الخليجية:
يكشف واقع سوق العمل الخليجي عن تفضيل المواطن الخليجي للوظائف الحكومية ومنافسة المرأة للرجل في هذا الميدان ، والسعي للحصول على دخل في أقرب وقت حتى لو حساب التسرب من التعليم ، فضلا عن وجود حواجز نفسية بين بعض الشباب الخليجيين وبعض الوظائف التي لا تروق لهم ، وإن كانت السعودية وعمان اتخذت منحى جيدا لعلاج تلك الظاهرة حتى أن وزير العمل السعودي الدكتور غازي القصيبي عمل بنفسه سفرجي في مطعم ليقدم القدوة للشباب السعودي في الاعتماد على الذات وبيان قيمة العمل وعدم التكبر عليه.
والحقيقة أن السياسة التعليمية لها الدور الأكبر في سيادة هذا الفكر لدى الشباب حتى بتنا نعانى من انتشار بطالة المتعلمين، فهذه السياسة لم تسع لتربية الأبناء على قيمة العمل وأن من لا يملك لقمة عيشه لا يملك حريته ولا كلمته وليس هناك من أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عمل برعي الغنم والتجارة. لقد ركزت السياسة التعليمية – للأسف الشديد- على التعليم الكمي لا النوعي فأصبح التعليم شكلا بلا مضمون، والجودة شعارا لا واقعا ، والانعزال بين التعليم والتغيرات التي يشهدها سوق العمل أمرا ملموسا. كما أن التوطين في بعض الدول أصبح شكليا يهتم – أيضا - بالكيف لا بالنوع ، ولعل ما تشهده دولة الإمارات من تسرب العديد من خريجي الثانوية للعمل بالجيش والشرطة سعيا وراء تحقيق دخل لا يمكنهم الحصول عليه في حال إكمال دراستهم الجامعية فضلا عن صعوبة توفر فرص عمل مناسبة بعد التخرج الجامعي يعكس هذه المنظومة المقلوبة.
ثالثا : عوامل خارجية:
وقد جاءت تلك العوامل نتيجة للتحولات الكبيرة في البيئة الاقتصادية المرتبطة بالعولمة - خاصة في سوق العمل - وما خلقته من ظروف غير مواتية للتشغيل من انحصار دور الدولة لحساب المؤسسات الخاصة في الاستثمار والتشغيل ، فالقطاع الخاص وبالأخص الأجنبي لا يهمه الشعار الوطني، وإنما هدفه الربح ويدور معه حيث كان ، كما أن تلك العوامل أدت أيضا إلى ترسيخ مفاهيم الاعتماد على اللغة الانجليزية بديلا عن اللغة العربية - لا مكملة لها- في العديد من الوظائف وهو ماله بالغ التأثير السلبي على قيمنا وهويتنا.
مواجهة التحديات
رغم ما تمثله تلك التحديات لسوق العمل الخليجي فقد خطت الدول الخليجية خطوات طيبة نحو دعم المبادرات الفردية في مجال الأعمال وتشغيل العمالة الوطنية وإمدادها بالتأهيل فمثلا في دولة الإمارات عملت "مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب " على توفير الدعم الفني والمالي للشركات المتوسطة وصغيرة الحجم لمواطني الإمارات. وفي الكويت تقوم الشركة الكويتية لتنمية المشروعات الصغيرة بتشجيع ودعم المواطنين الكويتيين على إنشاء مشروعات صغيرة ، وفي عمان يوفر البرنامج الحكومي لتشغيل العاملين "سند" للمواطنين العمانيين التمويل والتوجيه والخدمات اللازمة لإنشاء مشروعات صغيرة. وإن كانت المسئولية الكبرى تقع على الشباب الخليجي للاستفادة من تلك المزايا التي لا يزال الإقبال عليها متواضعا.
ولعل انطلاق السوق الخليجية الموحدة فرصة مناسبة لإعادة ترتيب سوق العمل الخليجي من خلال توحيد البنية التشريعية العمالية، وتطوير التعاون الفني والتقني البيني، وتحديث مناهج التعليم على كل المستويات لربط التعليم باحتياجات السوق والتنمية في الدول الخليجية. ولعل ما تسعى إليه دول مجلس التعاون الخليجي من دراسة مشروع الخطة الإرشادية الموحدة لإنشاء نظام نموذجي موحد لمعلومات سوق العمل الخليجي، وإعداد دراسة حول البطالة في دول المجلس ووضع الشروط المرجعية لها وتحديث البيانات الإحصائية اللازمة لها يصب في هذا الاتجاه .
إن علاج الاختلالات الهيكلية في سوق العمل الخليجي يتطلب الاهتمام بالتدريب التحويلي من خلال توفير برامج تدريب قصيرة بهدف التشغيل في قطاعات محددة يزيد الطلب عليها، وكذلك دعم التشغيل بمساعدة أصحاب العمل لفترة محدودة لتشغيل فئات من القوى العاملة ذات سمات محدودة ( مهنية / نوع / إعاقة ... الخ ) ودعم التشغيل الذاتي وتنمية المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر ، وكذلك دعم مكاتب التشغيل ( مكاتب العمل ) بحيث تتجاوز دورها التقليدي إلى أدوار جديدة تتعلق بتحليل سوق العمل والتوفيق بين طالبي العمل وعارضيه ومؤسسات التدريب لزيادة القابلية للتشغيل. فليس من المنطق أن يكون جل الاهتمام نحو تحسين العرض الكلي بالتركيز على المواطن من حيث التعليم والتدريب لمواكبة سوق العمل ، دون الاهتمام بجانب الطلب وما يتطلبه من تغيير المفاهيم نحو العمالة الوطنية.
كما تبدو أهمية توفير المعلومات بصورة مستمرة أمام كافة عناصر العملية الإنتاجية ومؤسسات القرار وبما يسمح بالتدخل لعلاج الاختلالات في الوقت المناسب، والعمل على إعطاء الأولوية للعمالة الوطنية الكفؤة ، فالعمالة العربية والإسلامية الكفؤة – أيضا- ، بما يحفظ على دول الخليج العربي قيمها وكيانها ، ويعضد مسيرتها نحو تحقيق التنمية المستدامة.