الأزمة الاقتصادية العالمية نهاية نظام أم بداية تصحيح
د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ : 21/9/2008
ما زالت أزمة الرهن العقاري الأميركية تلقي بتوابعها على الاقتصاد العالمي ، حيث طالت مختلف القطاعات الاقتصادية في الولايات المتحدة وأوروبا وأدت إلى خسائر مالية يصعب حصرها . فمنذ أيام قليلة أعلن بنك ليمان برذرز، رابع أكبر بنك بالولايات المتحدة إفلاسه عقب فشل الجهود المبذولة لإنقاذه ، ولجأت سلطات مراقبة المصارف الأميركية في يوليو الماضي إلى إغلاق بنك فيرست ناشيونال بنك أوف نيفادا بفروعه الخمسة والعشرين، وأغلقت أيضا بنك فيرست هيريتج بنك بفروعه الثلاثة. وبيعت أصول البنكين المملوكين لشركة فيرست ناشيونال بنك القابضة إلى فروع بنك أوماها، وبلغت قيمة أصول المصرفين 3.6 مليارات دولار بنهاية يونيو منخفضة عما كانت عليه قبل ستة أشهر حيث كانت قيمتها 4.1 مليارات دولار. وأعلن بنك وتشوفيا كورب تكبده خسائر ربع سنوية قياسية في الربع الثاني من هذا العام بقيمة 8.86 مليارات دولار.
وفي بريطانيا عقر الخصخصة تم تأميم بنك نورثرن روك البريطاني للتمويل العقاري والاستغناء عن أكثر من 2000 موظف في إطار جهود الحكومة البريطانية لإخراج البنك من أزمته الطاحنة وخسائره الضخمة من جراء تلك الأزمة. وأعلن رويال بنك أوف أسكتلند (آر بي أس) البريطاني عن خسائر بلغت 691 مليون جنيه إسترليني (1.35 مليار دولار) في النصف الأول من العام الحالي.
وفي ألمانيا قرر مصرف كوميرتس بنك ثاني أكبر البنوك الألمانية الاستغناء عن تسعة آلاف وظيفة في إطار صفقة شراء منافسه دريسدنر بنك. وبلغت قيمة الصفقة 14.5 مليار دولار فيما يوصف بأنه أكبر عملية إعادة هيكلة في القطاع المصرفي الألماني منذ أكثر من سبعة أعوام.
ولم يقتصر الأمر على ذلك بل انتقلت عدوى تلك الأزمة إلى دول العالم الأخرى باعتبار ما يمثله الحجم الكبير للاقتصاد الأمريكي ، وباعتبار أن العولمة المالية تصب في بوتقة الجميع ، حتى أعلنت بعض البنوك الخليجية العاملة في مملكة البحرين عن تكبدها خسائر فادحة من أزمة الرهن العقاري قاربت الملياري دولار ، وقدر حجم الخسائر الخليجية في تلك الأزمة بما يتجاوز الخمسة مليارات دولار ، وما خفي كان أعظم، خاصة في ظل استثمار جزء ليس هينا من فوائض البترول في الخارج ، فضلا عن اتجاه العديد من المؤسسات الغربية إلى السوق الخليجي لتسويق صكوكها العقارية المتهاوية ، وتوفير السيولة اللازمة لإنقاذ الاقتصاديات المتضررة - بصورة مباشرة - من تلك الأزمة من السقوط. ويبقى الباب مفتوحا أمام مزيد من التداعيات لأزمة الرهن العقاري على أسواق العالم دون استثناء.
أسباب الأزمة
تعتبر أزمة الرهن العقاري الأمريكية أسوأ أزمة يمر بها الاقتصاد العالمي منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي حسب وصف وزير الخزانة الأمريكي السابق روبرت روبن ، وتوقع رئيس صندوق النقد الدولي دومينيك ستراوس حصول مزيد من المتاعب.
وقد كشفت هذه الأزمة عن فقاعتين يحكمان الاقتصاد العالمي الأولى : فقاعة الربا ، والثانية : فقاعة بيع الديون ، وكل منهما يرتبط بالآخر. فقد ارتبطت بوادر تلك الأزمة بصورة أساسية بالارتفاع المتوالي لسعر الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ عام 2004، وهو ما شكل زيادة في أعباء القروض العقارية من حيث خدمتها وسداد أقساطها، خاصة في ظل التغاضي عن السجل الائتماني للعملاء وقدرتهم على السداد حتى بلغت تلك القروض نحو 1.3 تريليون دولار في مارس 2007م، وتفاقمت تلك الأزمة مع حلول النصف الثاني من عام إلى 2007 ، حيث توقف عدد كبير من المقترضين عن سداد الأقساط المالية المستحقة عليهم ، وكان من نتيجة ذلك تكبد أكبر مؤسستين للرهن العقاري في أميركا وهما فاني ماي وفريدي ماك خسائر بالغة حيث تتعاملان بمبلغ ستة تريليونات دولار وهو مبلغ يعادل ستة أمثال حجم اقتصاديات الدول العربية مجتمعة.
أما فقاعة بيع الديون فجاءت من خلال " توريق " أو " تسنيد " تلك الديون العقارية وذلك بتجميع الديون العقارية الأمريكية وتحويلها إلى سندات وتسويقها من خلال الأسواق المالية العالمية. وقد نتج عن عمليات التوريق زيادة في معدلات عدم الوفاء بالديون لرداءة العديد من تلك الديون ، مما أدى إلى انخفاض قيمة هذه السندات المدعمة بالأصول العقارية في السوق الأمريكية بأكثر من 70 في المائة .
التدخل الحكومي ونظام اقتصاد السوق حنين للماضي
رغم أن النظام الاقتصادي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية قائم على النظام الاقتصاد الحر أو نظام اقتصاد السوق ورفعه شعارا (الدولة تحكم ولا تملك) فقد ظهر بوضوح دور التدخل الحكومي للمساهمة في علاج أزمة الرهن العقاري والحيلولة دون انهيار النظام الاقتصاد العالمي ، وقد صرح وزير الخزانة الأميركية هنري بولسون أن التدخل غير المسبوق والشامل للحكومة يعتبر الوسيلة الوحيدة للحيلولة دون انهيار الاقتصاد الأميركي بشكل أكبر، وتعليقا على التدخلات الحكومية قال رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي بين بيرنانك إنها ضرورية لضمان ألا تؤدي الديون المعدومة إلى انهيار النظام المالي والاقتصاد. حتى أن الرئيس الأمريكي (جورج بوش) نفسه صرح في خطاب له في البيت الأبيض بأن الوقت الراهن حاسم لمواجهة الأزمة المالية، مشيرا إلى "غياب الثقة والمخاطر المحدقة بالاستهلاك والنشاط الاقتصادي، وطالب بالتحرك الفوري للحفاظ على صحة اقتصاد بلاده من مخاطر كبيرة.
وبناء على ذلك اقترحت وزارة الخزانة الأميركية برنامجا حكوميا تتراوح تكاليفه بين خمسمائة مليار دولار إلى ثمانمائة مليار، لشطب الأصول الفاسدة المرتبطة بالقروض العقارية من سجلات الشركات المالية الأميركية. وفي خطوة عملية أعلنت الخزانة الأميركية أنها ستدعم بخمسين مليار دولار صناديق الاستثمار التي تتعامل في سوق النقد وانخفضت قيمة أسهمها عن دولار واحد، في محاولة لاحتواء الاضطرابات في أسواق المال. كما كثف البنك المركزي الأمريكي تنسيقه مع كل من : البنك المركزي الأوروبي، والبنك الوطني السويسري، وبنك إنجلترا، وبنك اليابان، وبنك كندا ، لدعم القطاع المالي العالمي، حيث قاموا جميعا بضخ مليارات الدولارات في أسواقهم المالية.
وكل هذه الخطوات تبرز أن التاريخ يعيد نفسه فقد نشأت المدرسة الكلاسيكية التي يسير على نهجها نظام اقتصاد السوق أو النظام الاقتصادي الحر باعتباره وريثا أو امتدادا للنظام الرأسمالي على يد عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث في القرن التاسع عشر الذي نظر للنظام الرأسمالي في كتابه ( ثروة الأمم )، وأكد على الحرية الاقتصادية (دعه يعمل دعه يمر) ، وعارض تدخل الدولة في الاقتصاد عملا بفكرة اليد الخفية التي رأي من خلالها أن البحث عن المصلحة الخاصة يحقق المصلحة العامة تلقائيا.
ومع ظهور أزمة الكساد العالمي العظيم (1929-1933) كشفت هذه الأزمة عن عجز المدرسة الكلاسيكية ، وفي الوقت نفسه برز على السطح الفكر الكينزى من خلال كتاب جون ماينارد كينز (1936) الذي دحض فيه النظرية الكلاسيكية وأثبت خرافة اليد الخفية ، ودحض الإدعاء بأن الأسواق تتمتع بالقدرة على إصلاح عدم توازنها، ورأى أن أحوال الكساد والتضخم تحتاج إلى تدخل مباشر من قبل الدولة لإصلاحها، وكانت الدعوة لتدخل الدولة قوية خاصة بعد تعطل قوى الإنتاج وخروج ما يزيد على ربع القوى العاملة الصناعية إلى البطالة. وبالفعل استخدمت الدول الغربية سياسة الإدارة الاقتصادية - في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية - في إعادة البناء الاقتصادي وفي التخطيط والنمو المستقبلي. وتمكنت النظرية الكينزية من تحقيق الازدهار الاقتصادي في الخمسينيات والستينيات حيث أقدمت الدول الغربية على تأميم بعض الصناعات والأنشطة الهامة بالنسبة للاقتصاد ككل مثل الحديد والصلب والكهرباء والسكك الحديدية، كما أصبحت المشروعات الخاصة خاضعة لتوجيه الدولة بشكل عام، وانتصرت في تلك الفترة المدرسة الكينزية على غيرها من المدارس الاقتصادية.
ولكن في السبعينات والثمانينات والتسعينات خاصة مع انهيار الشيوعية وبزوغ القطب الواحد حدث ارتداد فكري بالنسبة لدور الدولة حيث اتجهت نحو خصخصة المشروعات العامة وإعطاء المزيد من الحرية في التصرفات مرة أخرى للمشروعات الخاصة وتقلص وسائل الرقابة عليها.
ومع أزمة الرهن العقاري عززت الدولة من دورها مرة أخرى ولجأت إلى شراء مؤسسات خاصة منعا لانهيارها واستخدمت السياسة النقدية والمالية للحيلولة دون انهيار النظام الاقتصادي العالمي.
الطريق الثالث
ظهرت فكرة الطريق الثالث لأول مرة عام 1936 على يد الكاتب السويدي "arquis Child " وهو طريق الوسط بين مفهومي الرأسمالية الغربية والاشتراكية الماركسية، فهو أسلوب يوائم بين هذا وذاك ولا يتبنّى السقف الأعلى أو الحد الأقصى لكل نظرية.
والواقع يكشف أنه لا يوجد شئ اسمه حرية مطلقة ، فالكون ليس آلة حركها الله ثم تركها تدور بدون تدخل كما ترى المدرسة الغربية ، ولا يمكن أن تغل يد الدولة ، وقد يكون هذا مبررا لحكوماتنا العربية في تدخلها في الاقتصاد ولكن ينبغي التفرقة بين التدخل الايجابي والتدخل السلبي للحكومات العربية فالتدخل الايجابي لا تحكمه أهواء أو اعتبارات سياسية بقصد تسييس الاقتصاد وخضوعه للاعتبارات الشخصية لا القواعد العلمية بعكس ما هو عليه الحال في التدخل السلبي والذي تعكسه قرارات العديد من الأنظمة العربية.
ولعل الطريق الأول وليس الثالث هو النظام الاقتصادي الإسلامي الذي ينظر للفرد والجماعة معا ولا ينتظر وقوع الأزمات حتى تتدخل الحكومات بل يقي أصلا من وقوع الأزمات ، فهو يحترم الملكية الفردية ولا يكبتها كما في النظام الاشتراكي ويؤهلها لتنمو في حضن القيم الإيمانية فلا غش ولا تدليس ولا احتكار ولا ربا ولا مقامرة ولا غبن ولا استغلال كما هو عليه نظام اقتصاد السوق ، وهو في الوقت نفسه لا يهمل دور الدولة كشريك للتنمية مع القطاع الخاص من خلال اضطلاعها بمشروعات المنافع العامة التي تقوم عليها حياة الناس من خلال أفضل استخدام للموارد المائية والرعوية ومصادر الطاقة والثروة المعدنية، فالناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار.