الأزمة المالية العالمية بين التحديات والفرص
د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ : 29/12/2008
ما زالت الأزمة المالية العالمية تلقي بلهيبها على الاقتصاد العالمي ، وهى في حقيقتها تحمل في رحمها تحديات وفرص. فقد كشفت تلك الأزمة عن تصدع النظام الرأسمالي ، وعن انتقاص لهيمنة أمريكا، وانتهاء لسيادة القطب الواحد في المستقبل القريب والبعيد. وهذا ما يقبله العقل ويقره الشرع .
فالعقل يؤكد أنه ليس بعيدا أن يتصدع الاقتصاد الأمريكي وتنتهي الإمبراطورية العظمى ذات القطب الواحد كما حدث لبريطانيا من قبل. وهذا ما شهد به الغربيون أنفسهم وقد ذكر المؤرخ الكندي المشهور بول كنيدي - منذ عشرين عاما - أن الولايات المتحدة ستبدأ في الانهيار الإمبراطوري في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. كما أشار تقرير حديث للمخابرات الأمريكية إلى أن نفوذ الولايات المتحدة الاقتصادي والسياسي سينتهي خلال عقدين من الزمان.
وألقت ألمانيا باللوم على الولايات المتحدة في حدوث الأزمة المالية العالمية باندفاعها الأعمى وراء أرباح أكبر وقالت إنه سيتعين على واشنطن قبول قدر أكبر من القواعد المنظمة لعمل السوق وخسارة مكانتها كقوة مالية عظمى.
وصرح وزير المالية الألماني بير شتاينبروك أن الولايات المتحدة ستفقد مكانتها كقوة عظمى في النظام المالي العالمي وسيصبح النظام المالي العالمي متعدد القطبية بشكل أكبر.
وطالب الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف بإقامة نظام اقتصادي مالي جديد أكثر عدلا يقوم على عدد الأقطاب، وسيادة القانون والأخذ بالمصالح المتبادلة, معتبرا أن ما سماه عهد الهيمنة الاقتصادية الأميركية قد ولّى. وقال "عهد هيمنة اقتصاد واحد وعملة واحدة ولّى بدون رجعة".
وتوقع الرئيس الأميركي الأسبق بل كلينتون أن يتجه العالم نحو نظام متعدد القطبية في الاقتصاد.
ووجه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي انتقادات حادة إلى النظام الرأسمالي العالمي وطالب بإعادة بناء النظام المالي والنقدي العالمي من جذوره.
وقد حذر من قبل موريس آلي الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1988م من مخاطر النظام الرأسمالي فقال : إن النظام الاقتصاد الرأسمالي يقوم على بعض المفاهيم والقواعد التي هي أساس تدميره إذا لم تعالج وتصوب تصويبًا عاجًلا. ووجه انتقادات حادة إلى أسلوب عمل الأسواق المالية والنظام المالي الرأسمالي وتنبأ فيه بحدوث أزمات حادة وشبه البورصات وما يتم فيها بـ " كازينوهات للمراهقين والمقامرين".
أما ما يؤيده الشرع فمن سنن الله الكونية أن الأيام دول ولكل أمة اجل وأن عاقبة الطغيان الزوال . يقول تعالى :"الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد" الفجر/ 11-14 " ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" الأعراف/34 .
والسؤال الذي يطرح نفسه هل المسلمون أصحاب الرسالة والمنهج الشامل الصالح لإنقاذ البشرية جمعاء على مستوى الحدث والتحدى والجاهزية؟! .
لقد علا صوت الاشتراكيين لتسويق بضاعتهم البائرة التي أكل عليها الدهر وشرب مستغلين أزمة النظام الرأسمالي وقد عدل بعضهم عن منهجهم التدخلى الشمولي وطالبوا بضرورة تدخل الدولة في الاقتصاد ضمن السياسات الكلية لا الجزئية.
والمسلمون أولى بتسويق منهجهم الرباني الشامل الكامل فالنظام الاقتصادي الإسلامي يقوم على الاستثمار الحقيقي لتوسيع القاعدة الإنتاجية ، ولا يفصل بينه وبين الاستثمار المالي، فكل تيار مالي لابد أن يقابله تيار سلعي في ربط محكم. كما أن النظام الاقتصادي الإسلامي وضع سياجا يحول دون الوقوع في الأزمة المالية الحالية بتحريمه أسبابها من ربا وبيع ديون ومقامرة.
والنظام الاقتصادي الإسلامي ينظر للفرد والجماعة معا ، فيحترم الملكية الفردية ولا يكبتها - كما في النظام الاشتراكي- ، ويؤهلها لتنمو في حضن القيم الإيمانية والأخلاقية فلا غش ولا تدليس ولا احتكار ولا ربا ولا مقامرة ولا غرر ولا غبن ولا استغلال كما هو عليه النظام الرأسمالي ، وهو في الوقت نفسه لا يهمل دور الدولة كشريك للتنمية مع القطاع الخاص من خلال اضطلاعها بمشروعات المنافع العامة التي تقوم عليها حياة الناس من خلال أفضل استخدام للموارد المائية والرعوية ومصادر الطاقة والثروة المعدنية ففي الحديث "الناس شركاء في ثلاثة: في الكلأ، والماء، والنار. رواه أحمد وأبو داود .
وقد فطن العديد من عقلاء الغرب إلى قيمة النظام الاقتصادي الإسلامي فقد أشارت الباحثة الإيطالية (لووريتا نابليوني) إلى أهمية التمويل الإسلامي ودوره في إنقاذ الاقتصاد الغربي. وأضافت قائلة : "التوازن في الأسواق المالية يمكن التوصل إليه بفضل التمويل الإسلامي بعد تحطيم التصنيف الغربي الذي يشبه الاقتصاد الإسلامي بالإرهاب" ورأت "أن التمويل الإسلامي هو القطاع الأكثر ديناميكية في عالم المال الكوني". وذكرت أن: "المصارف الإسلامية يمكن أن تصبح البديل المناسب للبنوك الغربية"
وفي تقرير صحفي بعنوان "نجاح البنوك الإسلامية في مواجهة الأزمة المالية العالمية" ذكرت صحيفة (آر بي ديلي) الروسية أن أعداد غير المسلمين الذين يرون أن البنوك الإسلامية وعاء آمن لأموالهم يحميها من خطر أزمة السيولة التي تضرب بنوك العالم الآن في نزايد وأضاف التقرير أن أسباب نجاح تجربة البنوك الإسلامية في تحجيم الخسائر في ظل هذه الأزمة هو احتكامها إلى الشريعة الإسلامية التي تحرم الربا بالإضافة إلى اعتمادها على الودائع المصرفية بدلاً من القروض المصرفية .
ودعت كبرى الصحف الاقتصادية في أوروبا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال الاقتصادي كحل للتخلص من براثن النظام الرأسمالي الذي يقف وراء الكارثة الاقتصادية التي تخيم على العالم؛ ففي افتتاحية لمجلة (تشالينجز Challenger)- في سبتمبر 2008م - كتب رئيس تحريرها (بوفيس فانسون Bea fils Vincent) موضوعاً بعنوان (البابا أو القرآن) تساءل فيه عن أخلاقية الرأسمالية؟ وقال: "أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا؛ لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأن النقود لا تلد النقود".
كما طالب (رولان لاسكين Roland Laskine) رئيس تحرير صحيفة (لوجورنال د فينانس Le Journal des fienance) في مقال له - في افتتاحية الصحيفة في سبتمبر 2008م بعنوان: (هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟) - بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة.
وقد دعا مجلس الشيوخ الفرنسي إلى ضم النظام المصرفي الإسلامي للنظام المصرفي في فرنسا وقال المجلس في تقرير أعدته لجنة تعنى بالشؤون المالية في المجلس إن النظام المصرفي الذي يعتمد على قواعد مستمدة من الشريعة الإسلامية مريح للجميع مسلمين وغير مسلمين.
وأكد التقرير الصادر عن لجنة المالية ومراقبة الميزانية والحسابات الاقتصادية للدولة بالمجلس أن هذا النظام المصرفي الذي يعيش ازدهارا واضحا قابل للتطبيق في فرنسا.
وكانت اللجنة نظمت في مايو 2008م ندوتين خصصتا للبحث في النظام المصرفي الإسلامي وتقييم الفرص والوسائل التي تسمح لفرنسا بتطبيق هذا النظام. واستعرضت الندوة الأولى أنشطة الصناعة المالية الإسلامية المتمركزة حتى الآن في المنطقة العربية وجنوب شرق آسيا. وجاء في سياق التقرير الذي أعد بناء على ما تناولته الندوتان أن النظام المصرفي الإسلامي الذي تأسس عام 1970 يستهدف تطوير الأنشطة المصرفية والموارد المالية مع مراعاة أحكام الشريعة الإسلامية. وحث التقرير فرنسا بالاعتناء بهذه المعاملات وبحث سبل تطبيقها فوق التراب الفرنسي. وقد جمعت أعمال الندوتين في تقرير واحد يحاول أن يعرف رهانات دمج النظام المصرفي الإسلامي في النظام المالي العام بفرنسا من جهة وتحديد "الاحتكاكات" التشريعية والضريبية الممكنة التي من شأنها أن تعطل تطوير هذا النظام على التراب الفرنسي من جهة أخرى.
وركزت الندوة الثانية على العوائق التشريعية والضريبية المحتمل أن تحول دون تطوير هذا النظام في فرنسا ومن ذلك مثلا فتح مصارف إسلامية بفرنسا أو إقامة نظم تشريعية وضريبية على التراب الفرنسي تراعي قواعد الشريعة الإسلامية في المجال المالي أو إصدار صكوك. واطلع المشاركون في هذه الندوة على التجربة البريطانية الرائدة بين الدول الأوروبية في مجال المعاملات الإسلامية. وكانت بريطانيا أصدرت نصوصا تشريعية وضريبية من شأنها أن تشجع النظام الإسلامي المالي وفتح بها أول مصرف إسلامي عام 2004.وفي ألمانيا اتخذت إجراءات من أجل السماح بنظام تداول الصكوك ونظام التكافل (التأمين). وأكد التقرير تناقض الموقف الفرنسي من النظام المصرفي الإسلامي فهناك اهتمام بهذا النظام وفي نفس الوقت يوجد جمود في التعاطي معه فأغلب المجموعات المصرفية الفرنسية فتحت لها فروعا في الشرق الأوسط وهي تتعاطى مع النظام الإسلامي المالي في حين ما زال موقف الفروع الرئيسة بفرنسا محجما عن التعاطي معه.
ويؤكد التقرير أن لا معوقات تشريعية أو ضريبية من شأنها أن تفسخ بيوعا ذات صبغة إسلامية بل إن بعض النصوص التشريعية الفرنسية في مجال الضرائب غير بعيدة عن النصوص الإسلامية.
هذا وقد أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية (وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة أنشطة البنوك) قرارًا يسمح للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامي في السوق المنظمة الفرنسية.
كما تدرس وزارة الخزانة الأمريكية أبرز ملامح أعمال الصيرفة الإسلامية ومدى الاستفادة منها في علاج الأزمة المالية العالمية. كما تعكف المؤسسات المالية والحكومة الأسترالية على دراسة إدخال نظام الصيرفة الإسلامية ومبادئها إلى النظام المالي الأسترالي.
وكل هذا الأقوال والأفعال التي انطلقت من هنا وهناك تأتي لتنتصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم (إلا تنصروه فقد نصره الله) التوبة /40، فالذين تطاولت ألسنتهم ووسائل إعلامهم بسبه - صلى الله عليه وسلم- للنيل منه أبى الله إلا أن يبحثوا عن منهجه الاقتصادي ليخرجهم من ظلمات الأزمة المالية.
والأزمة المالية العالمية بذلك فتحت المجال أمام البديل الإسلامي ليتبوأ مكانه الصحيح في الاقتصاد العالمي. وهى في حقيقتها لا تخلو من فرص إيجابيةً تحتاج لاستثمارها من قبلنا -نحن المسلمون- فقد دفعت هذه الأزمة الغرب بقيادة أمريكا إلى إجراء حركات تصحيحية لنظامها الرأسمالي من ناحية فلسفته وأدواته التطبيقية. وهى تُعدّ فرصة تاريخية لنكون إيجابيين وعمليين بتسويق بضاعتنا الربانية ممثلة في المنهج الاقتصادي الإسلامي كمنظومة عصرية متكاملة تلبي احتياجات البشرية في اقتصادياتها وتجمع بين الشفافية والعدالة الاجتماعية والأمان والثقة سواء من خلال العمل على أن يشارك الاقتصاد الإسلامي بفعالية في تصحيح الرأسمالية الغربية واستخدام وسائل الإعلام المرئية والمقروءة وشبكة الانترنت ونحوها في تقديم الفكر الاقتصادي الإسلامي بصورة واقعية تطبيقية ، أو من خلال العمل على أن يكون الاقتصاد الإسلامي أحد الأنظمة الاقتصادية العالمية أو من خلال وضع مشروعً اقتصادي إسلامي بصياغة منظومة اقتصادية إسلامية شاملة ومتكاملة قابلة للتطبيق تربط بين فقه النص وواقع العصر ولو على المستويين المتوسط والطويل لعلنا نصل في المستقبل إلى أن يكون الاقتصاد الإسلامي هو النظام الاقتصادي العالمي رحمة بالعالمين.
كما أن هذه الأزمة فرصة للعرب والمسلمين للتوحد حول منهج الاقتصاد الإسلامي، واستيعاب دروس تلك الأزمة وتحدياتها وعدم ترك باب من أبواب أسبابها إلا وأغلقوه، لتجنب ويلاتها وغلق السبل أمام انتقال عدواها. وهى فرصة لضبط نفقاتهم والاستغناء عن الاستهلاك التبذيري والترفي ، والاعتماد على ذاتهم في تلبية حاجاتهم، كما أنها فرصة للمصارف الإسلامية الملتزمة بالعض على المنهج الإسلامي بالنواجد ، وفرصة لغيرها من المصارف غير الملتزمة خاصة الذين يتقنون في التحايل التمويلي ويبحثون عن الأسماء لا المسميات ببيان حقيقة وويلات مخالفة شرع الرحمن، كما أنها فرصة لمن أباح سعر الفائدة من العلماء بأن يحكموا ضمائرهم وعقولهم وواقعهم وقبل كل ذلك شرع ربهم ليعودا إلى صوابهم.
وختاما فإن الأزمة المالية العالمية تعكس آثارها صورة قرآنية بالغة الدلالة عظيمة الرؤية في قوله تعالى : (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) طه/ 123-125. ويعكس أسبابها والسعى نحو سبل علاجها صورة قرآنية ربانية بالغة الإعجاز في قوله تعالى : ( سنريهِم آياتِنا في الآفاق وفي أنْفُسِهم حتى يتبيَّن لهم أنه الحقُّ)فصلت:53. وكل هذا يؤكد أن المستقبل
- بإذن الله تعالى - للاقتصاد الإسلامي.