ستقبل التكامل النقدي بين دول مجلس التعاون الخليجي
د. أشرف دوابه - بتاريخ: 2009-09-29
يمثل التكامل النقدي مرحلة متقدمة من مراحل التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي يبدأ بمنطقة تجارة حرة، ثم اتحاد جمركي، وصولا إلى سوق مشتركة، فاتحاد اقتصادي، ثم وحدة نقدية، وقد تتداخل تلك المراحل الخمس ، كما قد يتم دمج مرحلتين معا.
وتتضمن تجربة الاتحادات النقدية في العالم خمسة اتحادات نقدية منها ثلاثة في إفريقيا
( منطقة الفرنك الإفريقي)، والاتحاد النقدي في مدينة الكاريبي، والاتحاد النقدي الأوربي (اليورو) وفي جميع هذه الاتحادات النقدية تم طرح العملة المشتركة، باستثناء منطقة الاتحاد النقدي لجنوب إفريقيا حيث تلعب عملة إفريقيا الجنوبية (الراند) دور العملة الموحدة، وباستثناء منطقة اليورو فإن جميع الاتحادات النقدية الأخرى قد طبقت تسلسلا عكسيا حيث تعمل على تنفيذ التكامل الاقتصادي الشامل بعد مرور عقود على دخول اتحاداتها النقدية حيز التنفيذ.
وفي ظل تنامي التكتلات الاقتصادية والمتغيرات العالمية سعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى تحقيق التعاون فيما بينها مقتدية بمنطقة اليورو ، فتم تأسيس مجلس التعاون الخليجي في مايو 1980، فمنطقة التجارة الحرة في عام 1983، والاتحاد الجمركي عام 2003، والسوق المشتركة في عام 2007، واعتمد قادة دول مجلس التعاون في قمتهم التي انعقدت بمسقط في نهاية عام 2008 اتفاقية الاتحاد النقدي المتضمنة الأطر التشريعية والمؤسسية له، كما اعتمدوا النظام الأساسي للمجلس النقدي الذي سيتحول إلى مصرف مركزي، وقرروا إصدار العملة الخليجية الموحدة بحلول الأول من يناير من العام 2010.
وقد انسحبت سلطنة عمان مبكرا من الانضمام للاتحاد النقدي الخليجي في العام 2006 ، ثم جاء قرار دولة الإمارات بالانسحاب من هذا الاتحاد في شهر مايو من العام الحالي 2009، ليقتصر الاتحاد النقدي على 4 دول خليجية هى : السعودية وقطر والكويت والبحرين .
وإذا كانت سلطنة عمان انسحبت من الانضمام للاتحاد النقدي الخليجي لاعتبارات عديدة في مقدمتها تراجع معدلات أداء الاقتصاد العماني حتى أنه يعتبر الاقتصاد الأضعف من بين دول المجلس ، وعدم قدرتها على الوفاء بالالتزامات والشروط اللازمة للانضمام للوحدة النقدية. فإن انسحاب الإمارات كان مفاجئا ، حيث بدا عدم موافقتها على اختيار الرياض مقرا للبنك المركزي الخليجي باعتبارها الأولى بأن تكون دولة المقر لهذا البنك ، خاصة أنها ذات مركز مالي عالمي وثقل اقتصادي كبير في مجلس التعاون، فهي ثاني أكبر اقتصاد خليجي بعد السعودية، وتمثل حوالي 25% من الاقتصاد الخليجي، كما أنها كانت أول من قدم طلبا لاستضافة مقر البنك في عام 2004، ولا يوجد لديها أي مقر أو مركز لأي من المؤسسات والهيئات التابعة لمجلس التعاون الخليجي رغم أنها كانت الحاضنة لانطلاق هذا المجلس.
وقد ألقي انسحاب الإمارات بظلال من الشك حول إقامة الاتحاد النقدي الخليجي في ظل الثقل الاقتصادي لدولة الإمارات التي تختلف في ثقلها الاقتصادي عن سلطنة عمان، التي انسحبت من قبل ولم يؤثر انسحابها كثيرا على خطوات الاتحاد النقدي. كما أن هناك دولتين خليجيتين أخريين تشوب علاقاتها بالسعودية بعض التوترات، ويمكن أن تنعكس تلك التوترات على عضويتهما في الاتحاد النقدي وهما قطر بسبب خلاف حدودي، والبحرين بسبب الخلاف حول اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة.
وكل هذه النوعية من التطورات فضلا عن التباين بين دول الاتحاد النقدي الخليجي وصعوبة اتفاقها على معايير موحدة على أصعدة جوهرية مثل أسعار الفائدة وعجز الموازنة العامة والدين العام ومعدلات التضخم وحجم الاحتياطيات النقدية، ومدى ارتباط العملة الجديدة بالدولار أو بسلة عملات أو بالذهب أو أن تكون عملة معومة، ومدى قبول البنوك المركزية الخليجية التخلي عن جل صلاحياتها للبنك المركزي الخليجي في منطقة تعيش اقتصادياتها على هيكل اقتصادي أحادي متشابه يقوم على سلعة سريعة التقلب هي النفط.
ولكن رغم هذه الهواجس فإن الدول الأربع المتبقية يمكن أن تستمر في إجراءاتها لإكمال الوحدة النقدية، خاصة وأن الدول الأوروبية أمضت نصف قرن تقريبا كي ترى عملتها النور، وحتى في نهاية المطاف لم تنضم دولة أوروبية ثقيلة الوزن مثل بريطانيا إلى هذه العملة، وإن كان – بلاشك- الاتحاد النقدي بوجود الإمارات سيكون أكثر قوة .
وقد كشف روبرت مانديل الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد 1999م والمتخصص في بناء نظرية الاتحادات النقدية (منطقة النظرية المثلى) عن أهم شروط نجاح منطقة العملة المثلى (الاتحاد النقدي) في : حرية الانفتاح على العالم الخارجي، وانتقال عناصر الإنتاج بدون قيود، وزيادة حرية التبادل التجاري بين الدول الأعضاء، والتشابه في السياسات المالية والنقدية، وتقارب مستويات الدخول والأسعار ومعدلات النمو، وتماثل هياكل الإنتاج، وكون الدول الأعضاء عرضة لصدمات مشتركة بشكل متماثل.
وهذه الشروط – في مجملها - سعت دول مجلس التعاون الخليجي لتحقيقها على أرض الواقع خلال السنوات الماضية، ويمثل العمق والترابط والتشابه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والديني والتاريخي والجغرافي بين دول مجلس التعاون الخليجي عاملا هاما ومقوما أساسيا لنجاح التكامل النقدي وتحقيق مستقبل واعد لتلك الدول ، ورغم غياب الإمارات وعمان عن التكامل النقدي الخليجي إلا أن تكامل باقي الدول يعتبر خطوة مرحلية للتكامل النقدي يتوقع أن ينجم عنها اتجاه الإمارات وعمان نحو ذلك التوجه.
إن التكامل النقدي الخليجي سوف يجعل من دول الاتحاد النقدي لمجلس التعاون كتلة اقتصادية موحدة مما يعطيها فرصة أكبر في التفاوض مع شركائها الاقتصاديين، ويوحد من سياستها ويجنب الازدواجية في التعامل والهدر في الموارد، ويقلل من الحاجة للاحتفاظ بكميات كبيرة من الاحتياطيات الأجنبية. كما أن العملة الخليجية الموحدة سوف تمثل رمزا للوحدة الخليجية وتجنب الاقتصاد الخليجي الكثير من مشاكل الأزمات النقدية، وتدفع التجارة والعمل البيني الخليجي، بل إن الفرصة متاحة لتحويل العملة الخليجية إلى عملة عالمية تستخدم كوسيلة للحساب ووسيط للتبادل بين دول العالم.
كما أن التكامل النقدي يفتح الباب لوجود سوق مالي خليجي موحد يتسم بالعمق والسيولة وكبر الحجم. وفي الوقت نفسه يفتح المجال لاندماج واستحواذ الشركات الخليجية وعودة الأموال الخليجية والعربية المهاجرة ، مما سيكون له آثارا ايجابية على الاقتصاد وزيادة الناتج القومي.
كما أن العملة الموحدة ستؤدى إلى تشجيع المنافسة المصرفية والمالية ومن ثم تطوير أعمال المصارف، والإسهام في اندماجها بصورة تواءم التطور العالمي من حيث جودة وسرعة الخدمة.
كما أن وجود البنك المركزي الخليجي سوف ينسق ويوحد إدارة السياسات النقدية في دول الاتحاد النقدي ، وهو ما يؤدي إلى استقرار سعر الصرف ومعدلات التضخم والبطالة، ويعزز من الشفافية والاستقرار .
إن التكامل النقدي الخليجي يمثل تتويجا للحالة الاقتصادية والسياسية والثقافية المشتركة والمصير المشترك لدول الخليج العربي، ويفتح الباب لميلاد تكتل اقتصادي جديد على خارطة الاقتصاد العالمي بما يواكب التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الاقتصادية العالمية. وإذا كان التعارض في المصالح والمواقف موجود بين دول المجلس فإنه أمر طبيعي ، ولكن في الوقت نفسه ينبغي البحث عن حلول مرضية من أجل الوصول لموقف خليجي متكامل وموحد إقليميا ودوليا، وهنا تبدو أهمية الإرادة السياسية ، فنجاح التكامل النقدي الخليجي مرهون بتلك الإرادة، وتناسي الخلافات الجانبية والنظر لمصلحة دول المجلس عامة دون فئوية.