الجدار الفولاذي وشيخ الأزهر!
الجدار الفولاذي وشيخ الأزهر!
شهد يوم الخميس الماضي 31/12/2009 صدور بيان من مجمع البحوث الإسلامية برئاسة الدكتور محمد سيد طنطاوى، شيخ الأزهر، يؤيد بناء الحكومة المصرية جدارا فولاذياً على الحدود مع الأراضى الفلسطينية. وشدد البيان على "حق الدولة فى أن تقيم على أرضها من المنشآت والسدود ما يصون أمنها وحدودها وحقوقها ... وأنه من الحقوق الشرعية لمصر أن تضع الحواجز التى تمنع أضرار الأنفاق التى أقيمت تحت أرض رفح المصرية، والتى يتم استخدامها فى تهريب المخدرات وغيرها مما يهدد ويزعزع أمن واستقرار مصر ومصالحها". وجاء هذا البيان بعد صدور عدة فتاوى من هيئات إسلامية وعلماء تحرم بناء الجدار الفولاذي وفي مقدمة ذلك الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، وجبهة علماء الأزهر.
الجدار الفولاذي وشيخ الأزهر!
د. أشرف محمد دوابه – برمصر – 10/1/2010
شهد يوم الخميس الماضي 31/12/2009 صدور بيان من مجمع البحوث الإسلامية برئاسة الدكتور محمد سيد طنطاوى، شيخ الأزهر، يؤيد بناء الحكومة المصرية جدارا فولاذياً على الحدود مع الأراضى الفلسطينية. وشدد البيان على "حق الدولة فى أن تقيم على أرضها من المنشآت والسدود ما يصون أمنها وحدودها وحقوقها ... وأنه من الحقوق الشرعية لمصر أن تضع الحواجز التى تمنع أضرار الأنفاق التى أقيمت تحت أرض رفح المصرية، والتى يتم استخدامها فى تهريب المخدرات وغيرها مما يهدد ويزعزع أمن واستقرار مصر ومصالحها". وجاء هذا البيان بعد صدور عدة فتاوى من هيئات إسلامية وعلماء تحرم بناء الجدار الفولاذي وفي مقدمة ذلك الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، وجبهة علماء الأزهر.
وما حدث من شيخ الأزهر وفرقته لم يكن محل استغراب بالنسبة لى فالأزهر في تاريخه البعيد والقريب هو الذي حمى الإسلام وشريعته ولغته العربية ، وولد علماء عرفوا الحق واتبعوه ، ولم يخافوا في الله لومة لاءم ، ثم مر عليه مرحلة الوهن خاصة مع سيادة الحكم الشمولى ، والأخطر في مرحلته الحالية أنه تحول من الوهن إلى المعاداة .. معاداة الإسلام وفك عراه باسم الإسلام !!.. فشيخ الأزهر يعلنها صراحة أكثر من مرة أنه موظفا عند الدولة ، وهو الذي استفرغ كافة جهده منذ بداية التسعينات من القرن الماضي لإعادة تشكيل أعضاء مجمع البحوث حسب هواه، ومن ثم إخراج الفتاوي وفقا لمقتضيات وظيفته التي ألزم بها نفسه، فهو ومن خلال فرقته طالب في العام 2006 بمصادرة كتابي عن اتفاقية الكويز المصرية الإسرائيلية والتى توصلت فيه الى حرمة التعامل مع الصهاينة الغاصين ، وأحمد الله تعالى أن كل ما توقعته في الكتاب من الناحية الاقتصادية تحقق. وهو ومن خلال فرقته جعل كبيرة الربا حلالا سائغا للمرابين، و أعطى الفيتو في الغرب لمحاربة الحجاب ومن ثم منع المآذن، وأساء للنقاب وحوله من كونه فضيلة إلى جريمة، وفرط في عقيدة المسلمين من أجل هراءات المتعصبين المسيحيين ، وصافح عدو الله الإرهابي شيمون بيرير.. وهذا قليل من كثير!! .. وفي المقابل فإن شيخ الأزهر وفرقته لم نسمع لهم صوتا ولاهمسا على اعتدات الصهاينة المستمرة على المسجد الأقصى الأسير ، ولا على مقتل جنود مصر على الحدود مع الصهاينة المغتصبين، ولا اعلان ليفنى الحرب على غزة من أرض مصر ، ولا على آهات أهل غزة من أطفال ونساء ورجال يفترشون الأرض ويلتحفون السماء .. وهذا أيضا قليل من كثير!! .
إن الذي جمع هذا المجمع بهذه السرعة لإصدار بيان سياسي معروف صيغته مسبقا ، وتناقلته الصحف الإسرائيلية بالترحاب والفتح المبين، لماذا لم يجمعه أو يتمعر وجهه هو وفرقته حينما بادر الكياني الصهيوني بعدوانه على غزة ، وإمعانه في تدمير المنازل وإحراق المزارع وهدم بيوت الله والفتك بأكثر من 1300 شهيدا بأشد الأسلحة المحرمة دوليا فتكا وتدميرا دون تفرقة بين رضيع وطفل صغير أو امرأة وشيخ كبير! ، ولماذا لم يتمعر وجههم من حصار ظالم بغيض على أكثر من مليون ونصف المليون مسلم! ، ولماذا افتقدوا التسلح بالعروبة والشهامة التي ذكرها التاريخ لمشركين عرب – وليس علماء دين - حينما حاصرت قريشا النبي صلى الله عليه وسلم وأهله، حيث اجتمع أهل قريش في خيف بني كنانة من وادي المخصب، فتحالفو، على بني هاشم وبني طالب أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل. وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق ، وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز بنو هشام وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم – إلا أبا لهب – وحبسوا في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة.واشتد الحصار، وقطعت عنهم الميرة والمادة، فلم يكن المشركون يتركون طعاما يدخل مكة ولا بيعا إلا بادروا فاشتروه، حتى بلغهم الجهد، والتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود، حتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع .ولم يكن يصلهم من الطعام شيء ، إلا ما كان يتسرب سراً من بعض المتعاطفين معهم ، وأثناء هذا الحصار، اخترقته الشهامة العربية، ونُقضت الصحيفة الآثمة بحمية جاهلية، فبعد ثلاث سنوات اتفق بعض المشركين علي رفض الظلم، ورفض الحصار فمشى هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي إلى زهير بن أبي أمية المخزومي وقال : يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب الشراب وأخوالك بحيث تعلم ؟ فقال : ويحك ، فما أصنع وأنا رجل واحد ؟ أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها . قال أنا . قال : أبغنا ثالثا . قال أبو البختري بن هشام . قال : ابغنا رابعا . قال : زمعة بن الأسود . قال : أبغنا خامسا . قال : المطعم بن عدي . فاجتمعوا عند الحجون ، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة . فقال زهير أنا أبدأ بها. فجاءوا إلى الكعبة - وقريش محدقة بها - فنادى زهير يا أهل مكة ، إنا نأكل الطعام . ونشرب الشراب ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى . والله لا أقعد حتى تشق الصحيفة القاطعة الظالمة . فقال أبو جهل : كذبت . والله لا تشق . فقال زمعة أنت والله أكذب . ما رضينا كتابتها حين كتبت . وقال أبو البختري : صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقار عليه . فقال المطعم بن عدي . وكذب من قال غير ذلك . نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها . وقال هشام بن عمر في ذلك . فقال أبو جهل هذا أمر قد قضي بليل تشوور فيه بغير هذا المكان . وبعث الله على صحيفتهم الأرضة فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة رحم وظلم إلا ذكر الله عز وجل .. وها نحن أولاء نشهد تلك الصحيفة ونفس المشهد يتكرر في الحصار على غزة هاشم ، وتتوزع الأدوار حتى ولو كانت بأسماء عربية أو إسلامية أو أمريكية أو صهيونية ، أو من خلال إقرار الحصار ظلما وبهتانا وصبغه بصبغة شرعية !!.
إن من عجائب البيان السياسي لشيخ الأزهر وفرقته أنه يتكلم عن قضايا لا تمت لواقع الحال والضرورة وشدتها بصلة، كتهريب المخدرات ، في الوقت نفسه الذي تجنب فيه الكلام من قريب أو بعيد عن ضرورة فتح المعابر وفك الحصار!!. وبحث في النتيجة وأهمل الأسباب فوجه سهامه نحو الأنفاق متناسيا أن هذه الأنفاق ما جاءت إلا استمرارا للحياة لغلق المعابر في الأساس. وادعى البيان أن الجدار هو الذي سيحول بين تهديد وزعزعة أمن واستقرار مصر ومصالحها .. وكأن أهل غزة الجياع العرابا هم الذين يهددون أمن مصر وهم العدو اللدود !!.. أما اسرائيل التى تهرب المخدرات سرا وعلانية ويسرح رعيتها في سيناء - للإفساد في الأرض- بغير حساب هى الصديق والقلب الحنون!! ..
إن الاسطوانات المشروخة التى تترد عن الأمن القومى المصري ورغبة أهل غزة في استيطان سيناء – خاصة من علماء وإعلام السلطة، وكذلك من فضحهم الله بسب الدين والناس في مجلس الشعب المصري - أصبحت لا تنطلى إلا على الغافلين .. فأي أمن قومى يصدعون به رءوسنا وإسرائيل تفتح لها الأبواب ليل نهار !.. وأي استيطان لسيناء وأهل غزة قادرين على الاكتفاء بأنفسهم لو أتيحت لهم الحياة الطبيعية .. كما أن الذين يتغنون باستيطان أهل غزة لسيناء يتغافلون عن القوانين المصرية التي تتيح للأجانب التملك من أدنى مصر إلى أقصاها!! .. إن غزة هى الامتداد الاستراتيجي لمصر ، وأمن مصر هو امتداد لأمن غزة والعكس بالعكس وهذه حقيقة تاريخية، كما أن دور مصر التاريخي والعروبي والإسلامي يحتم عليها عدم الارتكان لسايكس بيكو باسم السيادة التى هى منقوصة أصلا في سيناء بحكم اتفاقية كامب ديفيد، كما يحتم عليها أن لا تكون ردود أفعالها انتقاما من حماس التي رفضت الخضوع لورقة المصالحة واملاءات فك الجندى الصهيونى الأسير لديها شاليط.
إن مصر التى تنظر للمعونة الأمريكية سواء على المستوى الاقتصادي أو الفولاذي لو نظرت نظرة رشيدة وفقا لمصلحتها الاقتصادية لفتحت معبر رفح دون تردد او انقطاع ولا استغنت بملء فيها عن المعونة الأمريكية المشروطة، فواردات قطاع غزة سنويا تتعدى المليار دولار ، وهو الأمر الذي يمثل مصدرا هاما للصادرات المصرية مما يندرج إيجابا على ميزان المدفوعات المصري، فضلا عن المشروعات الخاصة بالبنية الأساسية وتعمير غزة التي يمكن أن تدر المليارات على الاقتصاد المصري.
وأخيرا نأتي إلى ما تبقي من عجائب البيان السياسي لشيخ الأزهر وفرقته حيث يقول : «إن الذين يعارضون بناء هذا الجدار يخالفون بذلك ما أمرت به الشريعة الإسلامية» .. وهكذا بكل سهولة تصدر الأحكام ، ولم يقل لنا البيان ماهى
المخالفات؟! .. فهل السعى لخنق المسلمون وحصارهم دون مأكل أو مشرب أو ملبس أو مسكن -وهى الضروريات التي أمرت الشريعة برعايتها- عند شيخ الأزهر وفرقته طاعة لأمر الله؟!!.. وأين حق الجوار وحق الأخوة ، والله تعالى يقول : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ "الحجرات/10 ، والرسول –صلى الله عليه وسلم - يقول: " مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ" رواه البخاري ، "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" رواه مسلم .. ثم إذا كان البخاري ومسلم يرويان عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قوله : "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضَ " .. فماذا عن حبس وحصار مليون ونصف مليون مسلم يقولون : لا إله الا الله محمدا رسول الله ، وتقنين الفتاوى لإحكام الحصار عليهم ، دون مروءة لرفع الظلم عنهم ... حقا بئس من تعلم العلم وأصبح عالما لسلطة أو عميلا لشرطة.. وصدق الرسول الكريم : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" رواه البخاري.
إن فتح معبر رفح فريضة شرعية وأخلاقية وإقامة الجدار الفولاذي جريمة شرعية وأخلاقية .. "وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا " فاطر/43 ، "وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ " يوسف/21.
الكاتب : editor
التاريخ : 26/01/2010
عدد مرات الاطلاع : 98
رجوع