أزمة ديون دبي وتأثيراتها المحتملة على اقتصادات دول مجلس التعاون
د. أشرف محمد دوابه - مجلة آراء حول الخليج – فبراير 2010
مع بداية عطلة عيد الأضحى المبارك وبالتحديد في 25 نوفمبر 2009 شهد هذا التوقيت حدثا مثل زلزالا ماليا للعديد من دول العالم ، وأرجع الذاكرة إلى بداية الأزمة المالية العالمية التي تظهر توابعها بين الفينة والأخرى، وهو إعلان شركة دبي العالمية رغبتها في جدولة ديونها لمدة ستة أشهر، وتقدر كافة ديون شركة دبي العالمية بحوالي 59 مليار دولار تشكل الجزء الأكبر من ديون الشركات التابعة لإمارة دبي ، ويستحق جزء هام من هذه الديون بدءا من نهاية عام 2009 ، ويمتد خلال السنوات القليلة القادمة.
دبي العالمية .. من تكون؟
وتعد شركة دبي العالمية المملوكة من قبل حكومة دبي بالكامل بالإضافة إلى شركتين عملاقتين أخريين وهما دبي القابضة ومؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية أكبر ثلاث شركات تتبع لحكومة الإمارة. وتعتبر شركة دبي العالمية بصفة خاصة أهم شركات الإمارة وقاطرة الاستثمار العقاري فيها ، وتشمل أنشطتها العديد من المجالات داخل الإمارة وخارجها. وتمتلك العديد من الشركات التابعة الكبيرة مثل شركة "نخيل"، أكبر شركة تطوير عقاري في دبي ، وليمتلس، كما تمتلك الحصة الأكبر في شركة "موانئ دبي العالمية" التي تدير 49 محطة في مناطق عديدة في العالم، وتمثل شركة "استثمار" الذراع الاستثماري للشركة والتي تدير أصولا تقدر قيمتها بحوالي 36 مليار درهم في مختلف أنحاء العالم أهمها حصة في بنك ستاندر تشارترد البريطاني. كما تمتلك دبي العالمية أيضا شركة المناطق الاقتصادية والتي يتبع لها منطقة جبل علي الحرة (جافزا) والتي تعد واحدة من أكبر المناطق الحرة في العالم، فضلا عن العديد من المناطق الحرة الناشئة. إضافة إلى عدد من الشركات الأقل أهمية مثل مدينة دبي الملاحية والأحواض الجافة وليجر كورب.
وقد قامت الشركات التابعة لدبي العالمية بالاقتراض المكثف خلال السنوات الخمس الماضية لتمويل توسعات متزايدة وبناء مشاريع ضخمة ، وتتركز مشاكل دبي العالمية بشكل خاص في شركة نخيل التي ألغت منذ الأزمة المالية العالمية عددا من المشاريع مثل حدائق الجميرة وبرج العالم كما قلصت الأعمال بشكل واسع في نخلتي جبل علي وديرة والواجهة البحرية. كما لم يحالف التوفيق دبي العالمية في استثمارات خارجية مثل الاستثمار في لاس فيجاس، فيما تحقق موانئ دبي والمناطق الاقتصادية (جبل علي الحرة) تدفقات نقدية كافية لخدمة الديون وهو الشئ الذي أدى إلى إسراع موانئ دبي بالإعلان أنها ليست طرفا في عملية طلب تأخير موعد السداد لدائني دبي العالمية.
آثار الأزمة
وقد شهدت أسواق المال العالمية فور إعلان دبي العالمية عن سعيها لجدولة ديونها انخفاضا ملحوظا ، وأنقذت عطلة عيد الأضحى الأسواق الخليجية والعربية من التهاوى ، وهو الأمر الذي حدث بعد انتهاء العطلة ، وتراجعت أسهم العديد من البنوك العالمية وخصوصا تلك المنكشفة على دبي العالمية كالبنوك الأوروبية الكبرى مثل اتش اس بي سي وستاندرد تشارترد فيما أعلنت بنوك أخرى حول العالم أن انكشافها محدود أو انه تحت السيطرة. وسرعان ما استقرت الأمور بعد إعلام البنك المركزي الإماراتي ضخ كميات إضافية من السيولة، وتحقيق تطمينات من جانب إمارة أبو ظبي بل من جانب إمارة دبي ذاتها. كما كشفت مجموعة دبي العالمية عن إعادة هيكلة ديون تقدر فقط بقيمة 22 مليار دولار وأبلغت الدائنين بأن إجمالي ديونها يبلغ 40 مليار دولار ، وشرحت وضعها المالي للدائنين وسعيها لإعادة هيكلة ديون مرتبطة بها وبوحدتي نخيل وليمتلس العالمية العقاريتين التابعتين لها.
المركز المالي لإمارة دبي
والواقع يكشف أن حجم الديون الخاصة بحكومة دبي يبلغ 10 مليارات دولار فقط، و70 مليار دولار أخرى ديون الشركات التابعة لها، وأن حجم أصول الحكومة بدبي تصل إلى 90 مليار دولار بخلاف الطرق والمطارات والموانئ، أما أصول الشركات التابعة للحكومة فتبلغ 260 مليار دولار. ويبلغ الناتج الإجمالي المحلي للإمارة في حدود 50 مليار دولار، وتعتمد دبي في ناتجها المحلى على الخدمات ويحتل القطاع العقاري والمالي والسياحي الأولوية في الإمارة بينما لا يمثل النفط إلا 6% من الناتج الإجمالي المحلي للإمارة، وهو ما يرفع في مجمله من سقف التطمينات.
ردود الأفعال العالمية
وقد توالت الردود العالمية لأزمة دبي في صورة تصريحات الكثير من زعماء العالم الذين تميزت ردود أفعالهم بالثقة في اقتصاد دبي وقدرته على التعافي، معتبرين أنها أزمة ضئيلة إذا ما قورنت بالأزمة المالية العالمية. فقد اعتبر رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون أن النظام المالي العالمي قوي بما يكفي لمواجهة أزمة ديون دبي. وقال إنه تحدث إلى مسؤولين في دبي وإنهم ما زالوا يرغبون في المضي في مشروعات للمرافق الأساسية في بريطانيا. وفي واشنطن, قالت وزارة الخزانة الأميركية إنها تراقب أزمة ديون دبي عن كثب. وكشفت بيانات بنك التسويات الدولية أن حجم انكشاف المؤسسات المالية الأميركية على دبي يزيد على 10.5 مليارات دولار، إلا أن هذا المبلغ يقل كثيرًا عن حجم انكشاف البنوك البريطانية والفرنسية على تلك الأزمة. وقال رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون إن بالإمكان احتواء أزمة ديون دبي. وأشار إلى أن لدى منطقة الخليج موارد مالية تضمن عدم انزلاق العالم في أزمة جديدة. كما أعلن الاتحاد الأوروبي أن أزمة ديون دبي تظهر أن الأزمة المالية العالمية لم تنته بعد. وأن الأزمة الراهنة تعزز عزم أوروبا على تطبيق القرارات التي اتخذتها مجموعة العشرين من أجل إنعاش الاقتصاد العالمي والحيلولة دون تكرار تلك النوعية من الهزات المالية الكبرى.
أبو ظبي وزمام المبادرة
وقد أخذت إمارة أبو طبي بزمام المبادرة ومنحت إمارة دبي عشرة مليارات دولار لاستخدامها في تسديد ديون دبي العالمية. وتجنبت دبي بذلك العجز عن سداد صكوك بقيمة 4.1 مليار دولار كانت نخيل قد أصدرتها. وهو ما ساهم في تحقيق الاطمئنان في أسواق المال الخليجية والعربية والعالمية، خاصة وأن أبو ظبي تضخ نحو 90% من النفط الذي تنتجه الإمارات التي تعد ثالث أكبر مصدر للنفط للخام في العالم، وتمتلك أكبر صندوق استثماري سيادي في العالم يقدر بأكثر من 800 مليار دولار، وسبق أن قدمت 15 مليار دولار دعما غير مباشر إلى دبي عن طريق مصرف الإمارات المركزي وبنكين من القطاع الخاص مقرهما في أبو ظبي.
الأزمة ودول المجلس
وبالنسبة لتأثير أزمة دبي على دول مجلس التعاون ، فقد رأي البعض أن تلك الأزمة ستكون بداية لأزمات متلاحقة بدول مجلس التعاون، بينما رأي البعض الآخر أن تلك الأزمة كشفت عن أن نموذج دبي هو نموذج هش لقيامه على الفقاعات سواء أكانت عقارية أم مالية أم سياحية، ورأي طرف ثالث أن الاستثمارات ستنتقل إلى دول أخرى داخل مجلس التعاون خاصة الاستثمارات العقارية، بل واتجه رأي آخر إلى اتجاه الأموال للاستثمار خارج دول مجلس التعاون.
والواقع أن أزمة دبي أخذت أكثر من حجمها، فدبي تملك من الأصول ما يكفي لسداد ديونها، ولكن من المسلمات الاقتصادية ألا يتم تسييل تلك الأصول بقيمة تقل بصورة كبيرة عن قيمتها الحقيقية ، وهو ما دفع دبي العالمية لجدولة ديونها وفقا لمبدأ (المنافع / التكاليف) ، كما أن دبي وعيت درس الفقاعات العقارية واعتماد الناتج المحلى بها على الريع من خلال سعيها على لسان الشيخ محمد بن راشد منذ أكثر من عامين تنويع هيكل الإنتاج بها والتوجه نحو التصنيع ، وهو اتجاه طيب، وإن كان لم يؤت ثمرته بعد نتيجة لحداثته، كما أنه عقب تلك الأزمة عززت حكومة دبي من ترشيد نفقاتها.
أما من يري أن أزمة دبي ستؤدي إلى انتقال الاستثمارات إلى دول بعينها دون غيرها واتجاه الأموال للاستثمار خارج دول مجلس التعاون فهو أمر يفتقد إلى الدليل والمنطق، ففي ظل الأزمات المالية تتقوقع الأموال باعتبار رأس المال جبان، وقد تنشط المضاربات للاستفادة من فروق الأسعار. فمن يرغب في انتقال ماله سينقله من بلد بها أزمة إلى بلد أخرى بها أزمة ، فالأزمة عالمية وإن اختلفت درجة تأثيرها، ووضع المال تحت عين صاحبه هو الوضع المناسب في تلك المرحلة.
هل من نهاية للأزمة ؟
إن أزمة دبي هي أمر عارض وسوف ينتهي بصورة طبيعية ، خاصة أن تلك الأزمة كشفت عن مد يد العون لدبي، وأنها ليست وحدها، حتى أن الكويت عرضت يد المساعدة، وهذا شئ منطقي لأن انهيار اقتصاد أي إمارة أو دولة خليجية سيكون له أثارا سلبية على بقية دول المجلس، ومن ثم لن تقف دول مجلس التعاون مكتوفة الأيدي أمام تلك الأزمة وذلك من خلال مد يد العون المالي لدبي وتحقيق الثقة والطمأنينة لدى الدائنين وجمهور المتعاملين ، وهو الأمر الذي يسهم في تعافي دبي من تلك الأزمة، كما أن دبي قادرة على إدارة الأزمة، وهذا ليس جديدا عليها وإن كانت أزمة ديون، ويعزز ذلك نجاح مركز دبي المالي وشركة دبي القابضة في تسديد قروض مستحقة على الشركة في نوفمبر 2008 قدرت بنحو 1.4 مليار دولار، وقيام بورصة دبي بسداد دين عليها في فبراير 2009 بلغت قيمته 2.5 مليار دولار، وقيام حكومة دبي بترشيد نفقات دوائرها الحكومية مما حقق لها وفرا يقدر بمبلغ 800 مليون دولار بما يسهم في سد العجز بالموازنة المقدر له 1.1 مليار دولار نتيجة للإنفاق الاستثماري الملحوظ في البنية التحتية وإن كانت الموازنة التشغيلية لحكومة دبي لعام 2009 تحقق فائضا.
كما قامت دبي بالسعي لدمج شركتي التمويل العقاري أملاك وتمويل في مصرف إسلامي، وتشغيل المبنى رقم 3 بمطار دبي، إلى جانب ما تملكه من خبرة في تخطى أزمات سابقة حيث تمكنت من تجاوز أزمة شركات التأمين العالمية في الثمانينيات من القرن الماضي من خلال تأسيس آليات للتأمين الذاتي. وختاما فإن هذه الأزمة ستشكل علامة فارقة ودرسا مستفادا من النهج التوسعي الذي رسمته دبي طوال العقد الماضي ، والذي يبدو أنه سيمر بمرحلة من إعادة النظر خلال السنوات القادمة وفقا لأوليات الاستثمار مع تعزيز التوجه نحو تنويع هيكل الإنتاج.