English
Flash movie.
 
 
رؤية للأزمة المالية الأوربية

رؤية للأزمة المالية الأوربية

في ظل التوقعات المتفائلة بالخروج من نفق الأزمة المالية العالمية التي انفجرت في سوق العقار الأمريكى في الخامس عشر من سبتمبر 2008م، وتصريحات كبار المسئولين الماليين بذلك وفي مقدمتهم رئيس صندوق النقد الدولى دومينيك شتراوس، إذا بالأزمة المالية يولد من رحمها العديد من الأزمات، فلم تلبث أزمة دبي أن انخفض وميضها ، حتى جاءت أزمة اليونان التي فجرت أزمة مالية على مستوى دول الاتحاد الأوربي التي يمتد عمرها لأكثر من خمس عقود.

رؤية للأزمة المالية الأوربية

د. أشرف دوابه- الخليج الإماراتية- بتاريخ: 3-6-2010

في ظل التوقعات المتفائلة بالخروج من نفق الأزمة المالية العالمية التي انفجرت في سوق العقار الأمريكى في الخامس عشر من سبتمبر 2008م، وتصريحات كبار المسئولين الماليين بذلك وفي مقدمتهم رئيس صندوق النقد الدولى دومينيك شتراوس، إذا بالأزمة المالية يولد من رحمها العديد من الأزمات، فلم تلبث أزمة دبي أن انخفض وميضها ، حتى جاءت أزمة اليونان التي فجرت أزمة مالية على مستوى دول الاتحاد الأوربي التي يمتد عمرها لأكثر من خمس عقود.
ولم يقتصر الأمر على اليونان بل إن البرتغال وأسبانيا على شفا جرف هار بعدما ارتفع معدل العجز فيها الى أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009م ، وامتد لهيب الأزمة أيضا إلى إيطاليا وألمانيا وايرلندا وانجلترا، وهو ما أدى إلى تأثير سلبي ليس على أوربا فحسب بل على الاقتصاد العالمي كله، فشهدت البورصات كعادتها انخفاضا حادا، وسجلت العملة الاوروبية الموحدة, اليورو, تراجعا لتقترب من ادنى مستوى لها في أربع سنوات أمام الدولار، كما شهد اليورو أيضا أضعف أداء له أمام الين منذ ثماني سنوات ونصف. وأصبحت تلك العملة في طور التهديد بعد أن كان ينظر لها أنها البديل للدولار في المستقبل القريب. بل إن تجارب الوحدة النقدية أصبحت محل نظر وترقب بعد هذه الأزمة وليس ببعيد ماصرح به رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم من أنه لن تكون هناك عملة خليجية خلال العام أو العامين المقبلين, وأن إصدار عملة مشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي يحتاج إلى وقت. وكذلك ما صرح به -من قبله- وزير الخارجية الكويتي محمد السالم الصباح بأن أزمة اليورو أقنعت دول مجلس التعاون بالتريث في إطلاق عملتها الموحدة. كما صرح بيتر موريسي، الأستاذ في جامعة ماريلاند بعد وقوع الأزمة المالية الأوربية بأنه : "يطارد ألمانيا ودولاً أوروبية قوية أخرى حلماً -عملة أوروبية موحدة ووحدة أوروبية أوسع- ربما لا وجود له على أرض الواقع".
وإذا كان البعض يعلل انفجار الأزمة المالية الأوربية بما آل اليه حال اليونان من تفشى الفساد ، والإسراف والبذخ الاجتماعي بصورة مبالغ فيها ، حيث رفعت الحكومة الأجور بواقع (14) شهراً في السنة, وخفضت سن الإحالة إلى التقاعد إلى (43) عاماً, وتوسَّعت في الوظائف الحكومية واللجان، وما نتج عن ذلك من غرق اليونان في الديون حيث بلغ الدين العام نحو أربعمائة مليار دولار, بنحو 105% من الناتج المحلي الإجمالي ، وحققت الموازنة عجزت نحو 13%، فضلا عن التغاضي عن الشروط الموضوعة في معاهدة ماستريخت للانضمام للاتحاد الأوربي. فإن الواقع يثبت أن هذه الأسباب كانت المنطلق للأزمة المالية اليونانية بينما كان السبب الرئيس لانفجار الأزمة المالية الأوربية هو سوء التصرف الأوربي وخاصة الألماني تجاه أزمة اليونان، وعدم الاستفادة من أخطاء الأمريكان في انفجار الأزمة المالية العالمية.
فأزمة اليونان التي وقعت بالفعل كان يمكن تداركها وتطويقها والحيلولة دون انتشارها في منطقة اليورو، ولكن للأسف الشديد تكرر نفس السيناريو الخاص بانفجار الأزمة المالية العالمية بالولايات المتحدة. فلم تنفجر الأزمة الأمريكية إلا بعد إعلان بنك ليمان براذر إفلاسه في 15/9/2008م -رغم وجود مظاهر الأزمة قبل ذلك- إلا أن عوامل الثقة كانت متوفرة بالأسواق ومع انهيار هذا البنك ورفض حكومة بوش دعمه أو حتى تأميمه تزعزت الثقة في الأسواق الأمريكية وتسارع الناس إلى البنوك لسحب ما يمتلكونه من مدخرات مما أدى إلى أزمة سيولة حادة وافلاس متنامي للبنوك وانهيار للبورصات، وحدث ما حدث من انتشار تلك الأزمة كالطاعون في جنبات الاقتصاد العالمي، وتحركت إدارة بوش اضطرارا وبعد فوات الأوان لدعم وتأميم العديد من المؤسسات المالية بعد وقوع المحظور وانفجار الأزمة.
فمن المتعارف عليه اقتصاديا أن النظام الرأسمالي هو نظام التقلبات الاقتصادية ، وأن السحوبات من الحسابات المصرفية لها آثار انكماشية مضاعفة كما للايداعات آثار توسعية مضاعفة. فعلى سبيل المثال فإن ايداع يورو واحد بالجهاز المصرفي يتولد عنه زيادة في نقود الودائع ومن ثم العرض النقدي بأكثر من يورو وبحد أقصى يتوقف على نسبة الاحتياطي القانوني الذي يحصل عليه البنك المركزي من البنوك ، فإذا كان الاحتياطي القانوني 10% فإن إيداع يورو واحد بالجهاز المصرفي سوف يتولد عنه ودائع مصرفية بمقدار (1-10%) / 10% = 9 يورو ، وإذا سحب أحد المودعين يورو واحدا فإن حجم الايداعات ينخفض بنفس مضاعف الودائع ، وهذا الانخفاض في حجم الودائع لا يقتصر على بنك واحد وإنما يتوزع بين البنوك في الجهاز المصرفي، وهو ما يحد من قدرة البنوك على منح الائتمان وتمويل النشاط الاقتصادي، بل إن التسارع في سحب الودائع يؤدي ليس إلى أزمة سيولة أو أزمة مالية فحسب بل إلى تعرض البنوك للإفلاس والاقتصاد للركود والكساد.
ولم يختلف الأمر في انفجار الأزمة المالية الأوربية عنه في انفجار الأزمة الأمريكية فقد غرق الاقتصاد اليوناني في الديون واستغاث بإخوانه في منطقة اليورو لانقاذه ، فأبوا في بداية الأمر وتبنت تلك السياسة المستشارة الألمانية ميركل التي أعلنت أنها لن تمنح اليونان سنتا واحدا ، ونست أو تناست أنها شاءت أم أبت جزء من الأزمة لا بد أن تكتوى بنارها فانهيار الاقتصاد اليوناني سيؤدى تباعا الى انهيار اقتصاد دول منطقة اليورو ، ففي ظل هذا التوجه للمستشارة الألمانية ومماطلتها لحل أزمة اليونان تزعزت الثقة في الأسواق الأوربية، فانتشر لهيب الأزمة إلى دول منطقة اليورو ، وانفجرت الأزمة في جنباتها ، ثم تدخلت تلك الدول بعد فوات الأوان لتضاعف من خسائرها وتلجأ لجوء المضطر إلى إجراءات استثنائية من خلال وضع خطة إنقاذ تاريخية تصل قيمتها إلى 750 مليار يورو تتحمل ألمانيا -صاحبة أكبر اقتصاد بأوروبا- الجزء الأكبر منها. حيث يسهم الاتحاد الأوربي في هذه الخطة بـ500 مليار يورو ، في حين يسهم صندوق النقد الدولي بنحو 250 مليار يورو . وتبلغ مساهمة ألمانيا وحدها ما قيمته 123 مليار يورو . وقد زارت ميركل بعد إقرار الخطة أربع دول بمنطقة الخليج العربي هى : الإمارات العربية المتحدة والسعودية والبحرين وقطر مع نهايات شهر مايو الماضي لعلها تجد متنفسا ماليا يخرجها مما ورطت فيه نفسها ، وكما قالت في جدة أنها تريد الاستثمار في مجالات أخرى غير النفط بالسعودية, كالطاقة المتجددة والنقل الحديدي.
وقد أعلنت العديد من دول منطقة اليورو أن خطتها للخروج من الأزمة المالية تعتمد على وضع قيود على المضاربات التي وصف وزير المالية السويدي، أندرس بورغ القائمين بها بأنهم (عصابات) وشبه سلوكهم بسلوك (قطيع من الذئاب). فضلا عن التقشف، وتخفيض الرواتب ، وزيادة سن التقاعد ، وفرض ضرائب على البنوك والأسواق المالية لخفض العجز بالموازنة وإن تباينت وجهات النظر في فرض ضريبة على البنوك بين وزراء مالية مجموعة العشرين في اجتماعهم الذي انعقد منذ أيام قلائل بكوريا الجنوبية. كما اعترضت الادارة الامريكية على سياسة التقشف ورأت أنها ستضر بالحركة الاقتصادية في اوروبا والولايات المتحدة الامريكية وستساعد الصين بفوزها بلقب الدولة الأولى في العالم بالقوة الاقتصادية والصناعية والتجارية. وهكذا تبحث الولايات المتحدة عن مصالحها في المسرات والأزمات.
وعلى أية حال فإن أوربا لدغت من الأزمة المالية العالمية مرتين نتيجة تزعزع عامل الثقة في الأسواق والذي يمثل عنصر أساسي لقوام الاقتصاد ، لذا كانت تجربة أزمة دبي أكثر نضجا وحكمة وتصرفا، من خلال دعم حكومة الامارات لإمارة دبي في أزمتها وبصفة خاصة دعم إمارة أبو ظبي مما ضاعف من عوامل الثقة وخلق استقرارا بالسوق الإماراتي، ولم يقتصر الأمر على إمارة أبو ظبي ولكن أيضا دولة الكويت التي أعلنت وقت الأزمة أنها تمد يد المساعدة لشقيقتها دبي، وهو ما أدي في نهاية المطاف إلى انحسار الأزمة وتأثيراتها، وليت دول أوربا كانت استوعبت هذا الدرس ، وحقا لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين.


الكاتب : editor
التاريخ : 25/08/2010
عدد مرات الاطلاع : 325

رجوع
   
Powered By Datacircle الدكــتور أشرف دوابـه © جميع الحقوق محفوظة