English
Flash movie.
 
 
الاقتراض الخارجي لمصر داء لا دواء

اللجوء للاقتراض الخارجي يطرح نفسه داخل أروقة الحكومة المصرية حيث تسعي الحكومة لاقتراض نحو 12 مليار دولار من المؤسسات الدولية للمساهمة في سد العجز في الموازنة العامة في الدولة ودعم ميزان المدفوعات

الاقتراض الخارجي لمصر داء لا دواء

د. أشرف دوابه- صحيفة الخليج الإماراتية-28/1/2012م

اللجوء للاقتراض الخارجي يطرح نفسه داخل أروقة الحكومة المصرية حيث تسعي الحكومة لاقتراض نحو 12 مليار دولار من المؤسسات الدولية للمساهمة في سد العجز في الموازنة العامة في الدولة ودعم ميزان المدفوعات حيث ارتفع العجز في الموازنة الحالية إلى 160 مليار جنيه بدلا من العجز المقرر عند إعداد الميزانية وقدره 134 مليار جنيه ، كما شهد ميزان المدفوعات خلال الفترة يوليو/سبتمبر 2011/2012 عجز كلي بلغ 2.4 مليار دولار مقابل فائض كلي بلغ 14.7 مليار دولار خلال الفترة المناظرة من السنة المالية السابقة ، وهو ما انعكس على صافي الاحتياطيات الدولية للبنك المركزي المصري الذي انخفض لنحو 20 مليار دولار .
وقد كان هذا نتيجة حتمية لما شهدته مصر من اعتصامات غير مناسبة في توقيتها أو مكانها أو وسائلها فكان ضررها أكثر من نفعها ، إضافة إلى فقدان الأمن الذي هو أساس البنيان الاقتصادي ، وهو ما انعكس سلبا على الإنتاج وتراجع الإيرادات السياحية والاستثمار الأجنبي سواء أكان مباشر أم غير مباشر ، فقد تراجعت الإيرادات السياحية خلال الفترة يوليو/سبتمبر 2011/2012 إلى 6.3 مليار دولار مقابل 9.2 خلال الفترة المناظرة من السنة المالية السابقة، وكذلك تحولت الاستثمارات في محفظة الأوراق المالية في مصر إلى صافي تدفق للخارج بلغ 8.9 مليار دولار مقابل صافي تدفق للداخل بلغ 12.2 مليار دولار خلال فترة المقارنة، كما تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر ليسجل 375.5 مليون دولار مقابل 5.7 مليار دولار خلال فترة المقارنة، وقد ساعد جزئيا في الحد من تفاقم العجز في ميزان المدفوعات زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى 10.4 مليار دولار مقابل 9.3 مليار دولار خلال فترة المقارنة.
وفي ظل ضبابية الصورة والتصريحات غير المسؤولة من مسئولين عن إفلاس مصر بما يخالف الأسس الاقتصادية التي أولى أولوياتها توفير عامل الثقة داخل الاقتصاد حتى لا تتصدع أركانه وتنهار أسسه، تبدو أهمية الخروج من المأزق الراهن بحكمة واقعية وعملية.
فما أيسر أن يلجأ الفرد أو الدولة للاقتراض لترقيع مشاكله دون وضع حل ناجع لها ، فقضية القروض خاصة الخارجية منها في حقيقتها سلاح ذات حدين ويجب أن لا يلجأ لها إلا في حالات الضرورات القصوى احتراما لحق الأجيال الحالية والقادمة وعدم تحميلهم ما لاطاقة لهم به ، وفكاكا من شروط تلك القروض المجحفة التي تتضمن تدخلا سافرا في المدي القصير عند المنح وفي المدي الطويل في حالة التعثر وجدولة تلك القروض ، ووضع رقابنا في يد غيرنا من خلال تجاوز الحد الآمن للديون حيث بلغ إجمالي الدين العام الخارجي في سبتمبر 2011 مبلغ 34.9 مليار دولار ، وبلغ إجمالي الدين العام المحلي 968 مليار جنيه. هذا فضلا عن تخفيض التصنيف الائتماني الذي يقابل بمزيد من رفع سعر الفائدة، إضافة إلى وباء الربا المصاحب لتلك القروض وهو لا يأتي بخير بل يضاعف الدين ويمحق البركة ويضع الحكومة في حرب مع الله ورسوله،
وإذا كان الاقتراض الخارجي من المؤسسات الدولية هو الحل لأزمة مصر الاقتصادية فلماذا لم تتخذه الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية منهجا وديدنا للخروج مما حل بها من أزمة مالية رغم وقوف العديد من تلك الدول على حافة الإفلاس؟! ، وحتى حينما حدثت أزمة النمور الآسيوية في تسعينات القرن الماضي رفض رئيس الوزراء الماليزي السابق محاضير محمد الرضوخ لروشتة صندوق النقد الدولي سواء فيما يتعلق باللجوء للاقتراض من المؤسسات الدولية أو رفع سعر الفائدة وكانت النتيجة أن خرجت ماليزيا من هذه الأزمة أكثر قوة وتعافي اقتصادها بسرعة مذهلة.
وإذا كان اللجوء للاقتراض الخارجي مضرة اقتصادية وسياسية ، وتسكينا وترقيعا للمشاكل وتوريثها لجيل لا ذنب له ، فما الحل إذن؟ .. هل تلجأ الحكومة إلى طباعة البنكنوت ، ومن ثم زيادة عرض النقود، وهذا حل أدهى وأمر، فهو وقود التضخم ولهيب ارتفاع الأسعار التي سيكتوى بها حتما غالبية الشعب المصري الذي يعيش أكثر من 40% منه تحت خط الفقر.
أم تلجأ الحكومة للاقتراض الداخلي بديلا عن الاقتراض الخارجي، وإن كان هذا الحل أرحم من سابقيه فإنه يصطدم بواقع العديد من البنوك المصرية التي بيعت لبنوك أجنبية والتي تحكمها المصالح في دولتها الأم ، فضلا عن تأثير ذلك على السيولة المتاحة للقطاع الخاص ، إضافة إلى الربا المصاحب لتلك القروض، وإن تميزت تلك القروض بأنها بالعملة المحلية ومن ثم تجنب توفير العملة الصعبة وما يعتري توفيرها من مشكلات.
ولعل هذا المأزق الراهن يولد من رحمه فرصة للخروج منه من خلال اللجوء للمنهج الاقتصادي الإسلامي الذي يتميز بالشمول والكمال والعدل وترسيخ مبدأ الغنم والغرم ومراعاة حق الأجيال القادمة في ثروات الأجيال الحالية، وفي هذا الإطار يمكن للحكومة توفير السيولة اللازمة وسد عجز الموازنة ومعالجة مشاكلها المالية في الأجل القصير من خلال طرح صكوك إسلامية ، فضلا عن تخفيض نسبة الاحتياطي القانوني للودائع إلى النصف والاستفادة من النصف البافي في سد العجز، فضلا عن تلقي قروض حسنة من الودائع البنكية غير المستغلة والتي قاربت نصف ودائع الجهاز المصرفي، وضم موارد الصناديق الخاصة للموازنة العامة ، وإقرار عقود السلم الشرعية في مبيعات الدولة خاصة من البترول والغاز ، ومنح مزايا ضريبية للمولين الذين يعجلون بسداد ما استحق عليهم من ضرائب ، أو من يقومون بدفع جزء تحت الحساب من ضرائبهم اللاحقة، وتفعيل الحد الأقصى للأجور ، وترشيد الإنفاق الحكومي، وإلغاء مملكة المستشارين وما يتقاضونه من مكافآت، وإلغاء الدعم الموجه لغير مستحقيه خاصة فيما يتعلق بدعم الغاز والكهرباء الذي يصب في مصلحة أصحاب الشركات الأثرياء ، ورفع رسوم المرور في قناة السويس ، وفرض ضرائب إضافية على السلع الترفيهية والمضرة بالصحة والبئية، وتسريع محاكمات الفاسدين من السياسيين ورجال الأعمال واسترجاع ما نهبوه من أموال خاصة ما بقي منها داخل البلاد مع متابعة ما هرب خارجها وإن استغرق بعض الوقت حتى يعود إلى أرض الوطن ويضخ في شريان الاقتصاد. مع ترسيخ مبدأ الشفافية قيدا على كل هذه السياسات.
وفي الأجلين المتوسط والطويل لا بد من الخروج من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الحقيقي من خلال الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري ، بالتوجه نحو المزيد من الصناعة ، وتقوية القاعدة الإنتاجية وتنميتها بمعدلات مرتفعة ، وترتيب الاستثمارات حسب أولوياتها ، وتوجيهها نحو الإحلال محل الواردات ، وتعظيم القيمة المضافة للصادرات من خلال تعديل هيكلها بتشجيع الصادرات الأكثر تطورا خاصة الصادرات الصناعية التي يتميز فيها الاقتصاد المصري بميزة تنافسية ، حيث يوجد فرص للتصنيع والتصدير في قطاعات الغزل والنسيج ، والمنتجات الجلدية ، والأثاث ، والصناعات الإلكترونية والمعلوماتية، مع زيادة التوجه نحو الأسواق العربية والإفريقية والإسلامية، واستغلال اتفاقيات التجارة المبرمة في هذا الإطار، أو في إطار المنظمات الدولية.
وتبدو هنا أهمية تشجيع المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر وشركات رأس المال المخاطر وتوفير سبل التمويل لها بأساليب التمويل الإسلامية، وكذلك توفير شركات تسويقية متخصصة لتسويق ما تنتجه تلك المشروعات من سلع وخدمات، وتفعيل السياحة بصفة عامة والسياحة البديلة والدينية بصفة خاصة ، وإصدار صكوك إسلامية متنوعة ذات أجل متوسط وطويل تستخدم في تمويل مشروعات حقيقية، فضلا عن إنشاء مؤسستى للزكاة والوقف كهيئتين مستقليتين عن الحكومة مع خضوعهما لرقابتها ، لقدرتهما الكبيرة على توفير التمويل اللازم للموازنة العامة للدولة بصورة مباشرة أو تخفيف الأعباء عليها بصورة غير مباشرة ، فضلا عن قدرتهما على تشجيع ميلاد منظمين يتمتعون بالجرأة والإقدام على إنشاء أعمال جديدة، وتحويل الأفكار إلى واقع ملموس من خلال إقامة مؤسسات تدريب لتفريخ أعداد متزايدة من رجال الأعمال الشباب في إطار منظومة أخلاقية تقدس قيمة العمل والجودة وترسخ للأمانة والمصداقية والشفافية كسلوك لرجال الأعمال. وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إشباع الحاجات المحلية ، وتشجيع الصادرات ، وترشيد الواردات، وتحسين وضع ميزان المدفوعات وبخاصة الميزان التجاري ، ومن ثم تحقيق الاستقلالية الاقتصادية والخروج من نفق التبعية الاقتصادية والسياسية.


الكاتب : editor
التاريخ : 28/01/2012
عدد مرات الاطلاع : 82

رجوع
   
Powered By Datacircle الدكــتور أشرف دوابـه © جميع الحقوق محفوظة