د. أشرف محمد دوابه : بتاريخ 12 - 11 - 2006
البطالة في مصر ما زالت تلقى بظلالها على جوانب الاقتصاد المصري، وقد كشفت - أخيرا - دراسة قام بها منتدى البحوث الاقتصادية ومجلس السكان بتمويل من المعونة الأمريكية إلى أن معدل البطالة في مصر انخفض من 11% عام 1998م إلى 7,8% في العام الحالي، وأشارت الدراسة إلى أنها اعتمدت على مسح ميداني شمل نحو 8 ألاف أسرة مصرية في 21 محافظة.
وقد علق وزير التخطيط المصري على تلك الدراسة بالقول بأنه تم تشغيل 5 ملايين خلال السنوات الثماني الماضية بواقع 680 ألف سنويا مبررا انخفاض معدلات البطالة في العام 2006م بارتفاع معدلات النمو الذي بلغ ذروته في العام الحالي مسجلا 6,9% في حين أن زيادة معدلات البطالة في عام 1998م واكبت دخول الاقتصاد المصري في نفق الركود المظلم متأثرا بأزمة دول شرق آسيا وامتدت حالة الركود مع أحداث الحادي عشر من
سبتمبر .
ونحن نتمنى أن يكون الاقتصاد المصري قد خرج فعلا من حالة الركود، وأن معدلات البطالة انخفضت هذا الانخفاض الكبير والملحوظ عن ذي قبل، والواقع هو الذي يصدق ذلك أو يكذبه، فما من أسرة مصرية إلا وتعانى معاناة ملحوظة من وجود بطالة ظاهرة داخلها، وأصبحت تلك المشكلة تؤرقها أكبر من أرق الثانوية العامة باعتبارها محدد رئيس لمستقبل أبنائها، فضلا عما تعانيه من تفشى المحسوبية والرشوة والفساد والتنامي المستمر في الأسعار الذي كاد أن يصيب الاقتصاد لا بالركود بل بالشلل التام حتى وصلت نسبة التضخم في الوقت الحالي إلى 9,6%في حين كانت 3,1% في بداية العام الحالي وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء .
إن ما نعيشه من واقع نراه بأم أعيننا - وحتى - ما تعكسه الأرقام الرسمية عن حقيقة الاقتصاد المصري تقف دون التسليم بنتائج تلك الدراسة حيث تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أن نسبة البطالة في العام 2005 بلغت 11,2% وأن أدنى معدلاتها في العقد الأخير من التسعينات حتى العام الحالي بلغ نسبة 8,12% في العام 1999م وهو أعلى من المعدل التي توصلت إليه تلك الدراسة.. وإذا كان العام الحالي شهد مزيدا من الخصخصة وبيع 54 شركة وما يندرج على ذلك من تصفية للعمالة فضلا عن وجود قطاع خاص زهيد يميل للإنتاج الاستهلاكي وتقليص عدد العاملين.. فكيف في تلك الظروف تنخفض البطالة؟! ..
وهل هناك مبرر لهذا الانخفاض في ظل اقتصاد ريعي هش بعيد كل البعد عن الهيكلية .. اقتصاد يعانى من عجز متنامي في ميزانه التجاري، فوفقا لبيانات البنك المركزي المصري فإن الميزان التجاري المصري حقق عجزا قدره 5551 مليون دولار عن الفترة (يوليو2004/مارس 2005) وتنامي هذا العجز ليصبح 5584 مليون دولار عن الفترة (يوليو2005/مارس 2006). .
.. اقتصاد التهم فيه الدين المحلي الناتج القومي حتى بلغت نسبة الدين المحلي إلى الناتج المحلي الإجمالي 100,1% (2005/2006) وفقا لبيانات البنك المركزي المصري بإجمالي دين محلي قدره 593,7 مليار جنيه إضافة إلى دين خارجي قدره 28 مليار دولار.
.. اقتصاد تراجع فيه الاستثمار الأجنبي المباشر حتى تأخر ترتيبه في مصر إلى الدرجة السادسة عشرة بعد أن كان في المرتبة الثانية في أوائل التسعينات بالنسبة لدول القارة الأفريقية وأصبح غالبيته يتجه نحو قطاع البترول بثمن بخس، وفي هذا الإطار تشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر بلغ في 30/6/2006م
( 6111,4) مليون دولار منها 2683 مليون دولار استثمارات في قطاع البترول إضافة إلى 419,5 مليون دولار حصيلة بيع شركات محلية لمستثمرين أجانب.
إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ولكل نتيجة سبب والأسباب الظاهرة تبين استحالة أن تكون البطالة في مصر بالنسبة التي وصلت إليها الدراسة المذكورة .. بل إن مركز المعلومات ودعم القرار التابع لمجلس الوزراء أشار في تقرير له أن معدل البطالة تصاعد هذا العام ليصل إلى 17% .
إننا للأسف الشديد مازلنا نعاني من غياب الإفصاح والشفافية والمصداقية وتضارب الأرقام فأصبحنا نعيش في تيه البيانات المقصود ، وأخشى ما أخشاه أن تكون تلك الدراسة مقدمة وشكلا خالي من المضمون لتحقيق - حتى ولو على الورق- بوادر برنامج الرئيس مبارك الانتخابي الذي وعد فيه بتشغيل 5 ملايين عاطل حتى عام 2011 بواقع 850 ألف فرصة عمل سنويا، ولم يتحقق منه حتى الآن على أرض الواقع شيء ملموس يذكر.